قصة 

صاحب العود... والجنية العاشقة !!

 

 بقلم / عــبد الهــادي شــلا

 

( الفصل الأول )

 

ما أن وصلت السيارة مشارف القرية النائية حتى أصيب ( أحمد ) بصدمة ما توقعها..وما صرح بها فكلما اقترب منها شعر بغصة في حلقة وإحساس غريب بأنه على مشارف انقطاع عن العالم الذي يعرفه.. بيوت القرية المتهالكة البيضاء في جلها تناثرت كحبات الأرز البيضاء في طبق من الملوخية..هكذا وصفها لأصدقائه ساخراً ومتذمراً حين استقر فيها ، وبدأ في مراسلتهم ..!

القرية توغل مئات الكيلومترات في أرض كستها أعشاب برية ومجموعات من أشجار مثمرة وغير مثمرة تناثرت وكأن قدم البشر ما وطأتها،إلا أنها من طرفها النائي تطل على وادٍ سحيق ..انبهر به حين نظر إليه لأول مرة.. فشمس الخريف الدافئة صبغته بألوان حنونة زاد من جماله سماء بلون الفيروز تجمعت فيها غيوم بيضاء انعكس ظلها في بطن الوادي الأخضر فرسم لوحة ربانية آية من الجمال.!!

في السيارة التي أقلته إلى القرية برفقة مجموعة من المدرسين الذين تم التعاقد معهم للعمل...أربعة من المدرسين في التخصصـات المختلفة أمـا ( أحمد ) فقد كان مدرس الموسيقا الذي انتدب كأول مدرس للموسيقا إلي القرية هكذا قالوا له في إدارة التعاقدات حيث قدم نفسه لمرافقيه الذين بدأ كل في تقديم نفسه فكان الأستاذ ( نعيم ) مدرس اللغـــة العربيـة والأســــتاذ ( مصطفى ) مدرس التربية الدينية والأستاذ (محمود) مدرس الرياضيات والأستاذ ( محمد ) مدرس العلوم ، ومن لهجتهم عرف أنهم جميعا فلسطينيون..!

السيارة تطوي الأرض الخالية إلا من خيالات بعض بيوت بعيدة انعكست عليها أشعة الشمس وهي تهبط تعانق الأفق بينما تبرع السائق بشرح معالمها وتضاريسها ، وإذا مـــَّر بأرض ذكر لهم إسم صــاحبها وقبيلته ويسهب في الشرح كلما كان للقبيلة شأن أكبر من غيرها وسط صمت الجميع الذين اغتنموا هذه الفرصة كي يتعرفوا على طبيعة المكان الذي سيستقرون فيه لعام دراسي متواصل وما قاطعه أي منهم فوجد السائق في مرافقيه فرصتة الذهبية للإصغاء الذي يريده كي يبقى يقظاً طوال الطريق الطويل إلى القرية النائية .

صوت السائق خافتاً يأتيه بلا تفاصيل وكأنه طيف حلم بينما (أحمد) يبحر في الصور التي خلفها هناك في القاهرة المدينه الصاخبة بكل صور الحياة المبهجة والمتطورة وقلبه يخفق خشية ما تحمله الأيام في القرية النائية.

صرخ السائق بأعلى صوته وهو يضغط بكل قوته مكابح سيارته المسرعة لأن كلبا قطع الطريق أمامه وكاد أن يقتله.

انتفض (أحمد) في مقعده وقد عاد من عالمه الذي كان فيه ، بينما علت همهمات وتعليقات زملائه الذين كانوا يصغون إلى السائق وهم ما بين النوم واليقظة !!

كان الليل قد أرخى سدوله حين توقفت السيارة بجوار مسجد القرية الصغير والوحيد ، فتلفت الجميع حولهم يتفقدون المكان، في صمت كما لو حطت على رؤوسهم الطير ، فلا يوجد سوى عمود إنارة واحد ضعيف ينتصب وسط الساحة التي يقع فيها المسجد وقد خلت من الناس وبدت البيوت رغم بياض لونها وسط الظلام وكأنها هياكل معبد روماني قديم ولم يخفف عنهم أثر الصدمة إلا خروج المصلين من صلاة العشاء، فتقدم السائق يسأل عن مختار القرية الذي كان على علم بقدوم المدرسين الجدد ، فاستقبلهم مع مجموعة من وجهاء القرية واصطحبوهم إلى المضافة حيث كان كل شيء معد لاستقبالهم من تجهيز مؤقت للنوم والعشاء الذي اخترقت رائحته أنوف المدرسين الجوعى .. وبعد العشاء استأذنهم المختار ومن معه وتركوهم كي يرتاحو من تعب الطريق على أن يعود إليهم في الصباح.

ألقوا بأجسادهم المرهقة على الفراش دون حراك حتى اخترقت أشعة شمس الصباح نوافذ المضافة الزجاجية ،وكان

( أحمد ) أول من استيقظ على شقشقة العصافير وصياح الديكة وهي تكسر صمت القرية النائية.. وكأنها سيمفونية بكر ما وقعت في أذن بشر من قبل...!!

مبكرا جاءهم المختار ليخبرهم أنه تم استئجار بيت جديد في طرف القرية ما سكنه صاحبه حيث يعمل في الخارج وهو مجهز بكل الضروريات التي يحتاجونها ، واصطحبهم في سيارته الصغيرة ليبدأوا مشـوار حـياة جديدة.

الليلة الأولى لها طعم مختلف عن كل الليالي في حياتهم جميعاً وقد تركوا المضافة إلى البيت المستأجر.

فبعد سماع أذان العشاء ما سمعوا صوتاً في القرية التي ما زالت مجهولة المعالم بالنسبة لهم إلا صوت مذياع الأستاذ ( نعيم) فقد كان ضيفهم ومؤنسهم الوحيد في تلك الليلة رغم التشويش وعدم وضوح الصوت إلا أنهم اجتمعوا يتسامرون ويتعرف كل منهم على الآخر.

الأستاذ (محمود) مدرس الرياضيات كان أكبرهم سناً على وجهه بدا تعب السنين وهو يحدثهم عن مشواره الطويل في الغربة.. واختصر لهم الحديث ذلك أنه بخبرته عرف أن الأيام القادمة سوف تكون طويلة ومملة في القرية وسوف يجدون الوقت الكثير للحديث والتعارف بشكل أفضل وهو ينهي كلامه مؤكداً لهم أنه على يقين أن لكل منا قصة يحملها ويسوح في هذه الأرض التي تتلقفنا في أماكنها المتقاربة والمتباعدة وقد وافقوه الرأي وأثنوا على كلماته المتعبة المرهقة ..فهو أب لابن عمره تسع سنوات ولكنه ما رآه أبداً وإنما يحمل صورته حين كان عمره أسبوعاً واحداً فقط حيث أرسلتها له زوجته مع صديق غادر الوطن بعد حرب حزيران 1967 بينما كان هو في بلد خليجي يعمل هناك حين انقطعت به السبل وها هي تسعة أعوام تمر دون أن يتمكن من زيارة الوطن لأسباب أمنية فقد عرف أنه مطلوب من قبل قوات الاحتلال.. وتوقف الأستاذ ( نعيم ) فجأة عن السرد ليمسح دموعاً انسابت على وجنتيه وبللت بعضاً من شعر لحيته الفضية...!

تنهد الأستاذ (محمد) مدرس العلوم، وهو يلعن اليوم الذي جعله يخرج من الوطن، ولكنها لقمة العيش التي أراد أن يوفرها لأبيه العجوز وأمه اللذان أقعدهما المرض وأخوين صغيرين يجب أن يستكملا تعليمهما..فهي مسؤولية ارتضاها عن طيب خاطر حيث ترك الدراسة في الجامعة ليتعاقد للعمل في بلد خليجي آخر أيضا، وبعد سنتين فكر في العودة للوطن، ولكن الوطن كان قد سقط كله في يد المحتل فانقطعت به السبل..إنها نفس المأساة يا أساتذة ونفس الأسباب التي جعلتنا نلتقي هنا في بلد عربي آخر.. وتنهيدة من قلب مجروح و بكلمات اختنقت في حلقه أنهى حديثه..!

كان (أحمد) يتابع الحديث بذهول فقد كان أصغرهم سناً وأقلهم خبرة ، فهذه أول وظيفة يحصل عليها بعد تخرجه في العام الماضي من معهد الموسيقا بالقاهرة الذي التحق به في نفس عام النكسة وانقطعت به السبل لولا ابن عم له يعمل في الخارج كان قد تعهد بمصاريف استكمال دراسته.. وقد التزم الصمت احتراماً لزملائه مما أفسـح المجال للأســتاذ ( نعيم ) مدرس اللغة العربية الذي تلتقي الفصحى مع العامية في حديثة كي يشارك في هذه الجلسة التي سرى فيها الدفء وتوزعت المشاعر الحزينة والإحساس بالغربة لتصنع وداً يحتاجه جميعهم في هذه القرية النائية..

كانت غلطتي أنني سعيت لعودة أسرتي التي كانت ترافقني في بلد خليجي آخر مثلكم عن طريق الصليب الأحمر إلى الوطن اعتقاداً مني كغيري بأن الاحتلال لن يستمر إلا شهوراً قليلة حيث كنا نسمع يوميا عن لجنة تقصي حقائق أو مبعوثين دوليين يجوبون الوطن العربي ويلتقون في جلسات في الأمم المتحدة، وكانت الأخبار في مجملها تدور حول قرب نهاية الاحتلال وعودة الأراضي التي احتلت بالكامل وسط تساؤلات الشارع العربي عن كيفية حدوث هذه النكسة كما أطلقوا عليها في حينه و كنا نسمع عن التجهيزات العالية لإلقاء إسرائيل في البحر !!

يا إخوتي ..إن لكل منا قصة فكما قال أخي الأستاذ (محمود) في بداية حديثة فإن الأيام القادمة في هذه القرية سوف تمنحنا المزيد من الوقت كي يسرد كل منا قصته مع الغربة والآلام التي تعتصر القلوب قهراً منهياً حديثه بتقديم الأستاذ ( مصطفى ) مدرس التربية الدينية الذي اعتدل في جلوسه وهو يفرك يديه قائلاً إنها الحياة لنا فيها مشوار يجب أن نمشيه وأقدارانا وخطواتنا مكتوبة لنا قبل أن نولد، والحمد لله على كل حال ولربما في جمعنا هذا يكون الخير في الأيام القادمة وإنني لسعيد بتواجدي بين إخوة من وطني ، ودعونا نجهز أنفسنا لأول يوم عمل لنا في هذه القرية التي ما زلنا نجهل طبيعتها وطبيعة أهلها..كأنه يريد الهروب من الأسئلة التي حملتها نظراتهم التي تطلب المزيد بينما هو يؤجل الرد إلى الأيام القادمة ..!!

بقي (أحمد) ملتزماً الصمت بعد أن استمع بأدب شديد لهذه النماذج من أبناء الوطن في غربتهم الطويلة محدثاً نفسه إن كان حاله سيصبح مثل حالهم وتطول به الأيام متنقلاً من بلد إلى بلد وبين القرى لا يجد وقتاً لتحقيق ذاته وطموحاته العالية بأن يكون موسيقاراً كبيراً يعزف لحن الوطن الذي يعشعش في قلبه ويتغنى به لسانه !!؟؟ وحمد الله أن أحداً لم يسأله عن حاله أو ظروفه في تلك الليلة على وجه الخصوص وهو يعلم يقيناً أن لا مفر من جلسة أو جلسات كهذه سيكون هو المتحدث الوحيد فيها بعد أن أفرغ كل منهم بإيجاز واقتضاب مما في جعبته مقرا بأن ما سمعه منهم قد أصابه بالمرارة والحسرة على حالهم..!!

انفض المجلس وذهب كل إلى فراشه حيث خيم الصمت من جديد لولا صوت موسيقا خـفيفة مشـوشة تنبعث من مذياع الأستاذ ( نعيم) .

ولكن (أحمد) بقي مستيقظاً يبحلق في سقف الغرفة الباردة تذهب به أفكاره هنا وهناك في جولات لا نهائية وخوف من غد لا يرى له ملامح في هذا العالم الجديد والغريب ، حتى خيل له أن السقف سيطبق عليه وشعر باختناق لولا أنه تمتم ببعض الأدعية والآيات التي نزلت عليه بالسكينة.. فنام حتى الصباح ..!!

***     ***     ***

على صوت طـَرقات كان (أحمد) أول من فتح الباب ليجد رجلاً يحييه مبتسماً بينما كان باقي المدرسين يتقدمون لمعرفة الطارق وهم يسمعونه يقدم نفسه على أنه مدير مدرسة القرية فرحبوا به جميعاً وطلبوا منه الدخول إلا أنه اعتذر لضيق الوقت وأنه لا شك سيزورهم في وقت آخر ولكن عليه الذهاب إلى المدرسة لإعدادها لاستقبال التلاميذ بعد يومين فأبدوا استعدادهم لمرافقته للمساعدة، فرحب بهم وانطلقوا إلى المدرسة.

كانت الفصول مغلقة طوال الإجازة الصيفية كما أن اعتدال المناخ ساعد على إبقائها نظيفة بعض الشيء بينما المدرسين يتندرون على طقس بلاد الخليج التي عملوا فيها لسنوات و التي تجتاحها العواصف الرملية وتزداد الحالة سوءاً حين تختلط الأتربة بالرطوبة فيصبح الجو لا يطاق، وكيف أنهم كانوا يواجهون أول أيام الدراسة هناك في هذا الجو الحار... كان الأستاذ (محمود) أكثرهم تندراً بينما هم يتفقدون الحجرات الثلاث التي تتكون منها مدرسة القرية الوحيدة .!

مرت الشهور الأربعة الأولى قبل أن تبدأ عطلة نصف السنة بطيئة ومملة حيث لا شيء يشغل فراغ المدرسين سوى القراءة أو الاستماع للمذياع وقد أخرجهم من هذا أن الأستاذ ( نعيم ) إكتشف مكتبة عامة في القرية وحين سأل عن سبب إغلاقها تبين له أنه لا يوجد موظف مكلف بها فتطوع بأن يقوم هو بفتحها لعدة ساعات بعد الظهر و تقديم المساعدة لمن يريد أن يقضي فيها من التلاميذ ومن أهل القرية وقتاً مفيداً فكانت بداية نشاط كادت القرية أن تنساه حيث اقترح الأستاذ (أحمد) أن يقدم سهرة موسيقية وغنائية لبعض ما سمعه وحفظه من الأغاني الشعبية والأهازيج في القرية وخاصة أن إجازة نصف السنة تقترب ، ولكن ذلك يتطلب إذنـًا من المختار ومدير المدرسة اللذان رحبا بالفكرة ووافقا على ذلك مادامت حفلة غناء وموسيقا شعبية .

انشغل المدرسون عدة ليال في التجهيز للسهرة الموسيقية فقـام الأستاذ ( نعيم ) والأستاذ ( مصطفى ) بكتابة يافطة كبيرة على باب المكتبة بحيث يراها كل من يمر بالشارع الرئيسي والوحيد المؤدي إلى سوق القرية ولكن المشكلة كانت في أن معظم أهل القرية لم يكونوا يجيدون القراءة فكان التلاميذ يتطوعون بالقراءة لمن يسألهم عما كتب علي اليافطة فاطمأنا إلى أن أهل القرية يرحبون بهذا النشاط غير العادي بالنسبة لهم وخاصة أولئك الذين لديهم أجهزة تلفزيون ويتابعون الأغنيات والمسلسلات بأنواعها فهم في شوق لرؤية حفل حقيقي..هكذا وصلت الصورة إلى الأساتذة الذين دب فيهم الحماس للعمل بجد ليقطعوا به وقت فراغهم في ليل كانون الثاني القارس البرودة ، والطويل !!..

 في اليوم المحدد للحفل ما شَهِدَت القرية حركةً ونشاطاً من قبل كهذا الذي رافق هذه السهرة فقد استحوذ المدرسون على قلوب الجميع وخاصة المختار ومدير المدرسة اللذان أكرموا المدرسين جميعا بما فيهم مدرسوا المدرسة من أبناء القرية بحفل عشاء في ديوان المختار دُعِيَ إليه وجهاء القرية وتبادل الجميع الأحاديث الودية التي أزاحت الفواصل الصغيرة بينهم وخاصة حين عرفوا أنهم جميعهم مدرسون فلسطينيون فأخذ كل من الحاضرين يظهر وده وحبه للشعب الفلسطيني وقضيته على أنها قضية الأمة العربية والإسلامية، وتشعبت الأحاديث عن أبطال الأمة العربية على مر التاريخ وكيف أنهم حين كانوا على قلب رجل واحد حققوا الكثير من النصر ودحروا الغزاة.

ولفت المختار الاهتمام إلى رجل ذو هيبة وشخصية قوية أخذ مجلسه بجواره في صدر الديوان .. قليل الكلام ، كان يتابع الحديث بصمت وتأمل، و قـَدَّمه إلى المدرسين على أنه أحد الأبطال الذين شاركوا في حرب فلسطين وطلب من الرجل أن يقوم بتقديم نفسه..

أنا ( الحاج إعلي ) ولدت في هذه القرية وقد كنت صغيرا ما تجاوزت السادسة عشر حين ذهبت ضمن مجموعة المجاهدين الذين توجهوا للالتحاق بجيش الثورة العربية والدفاع عن أرض المقدس، حيث تمركزت مجموعتنا في قرية بنت جبيل اللبنانية والقريبة من حدود فلسطين، وكنا على استعداد للشهادة على أرض الرباط حيث شاركنا في عدة هجمات على قوات العصابات الصهيونية وجيش الاحتلال الإنجليزي ، ثم أخرج زفرة طويلة حارقة بها غصة وهو يكمل: كنا نتمنى أن يطول الجهاد حتى تحرير فلسطين والمقدسات ولكنكم بلا شك تعرفون باقي الحكاية التي بدأت وما زلنا ننتظر نهايتها التي تحقق لنا الكرامة والعزة ، ولكن النكسة الأخيرة التي منيت بها الدول العربية كانت كالبعرة أو الشعرة التي قصمت ظهر البعير فالأمر الآن اختلف والتوازنات الدولية تأخذ منحىً آخر.. وكما تقولون في فلسطين: إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وعليه يا أخوتي عليكم الآن استثمار الثورة الفلسطينية التي بدأت انطلاقتها بتأييد من القادة العرب الوطنيين ومن ورائهم الشعب العربي المصدوم والذي يرى الأمل يتجدد في انطلاقة هذه الثورة التي ستحرر فلسطين وستجد من خلفها كل الشرفاء من العرب ومن دول العالم.

كان الحماس واضحاً في كل كلمة نطق بها (الحاج إعلي) بينما الجميع يصغي باهتمام دون مقاطعة، وكأنهم يدركون ويثمنون كل كلمة ينطق بها، وقد شعر المدرسون أنهم بين أهليهم بل أن الأستاذ ( محمد ) مدرس العلوم الذي نادراً ما يتكلم وهو مصغ جيد لأي حديث فقد توجه للحضور قائلاً : إننا بين أخوتنا وفي بلدنا الثاني، وفي الحقيقة أن هذه ليلة مشهودة أن اجتمعنا مع بطل مجاهد من المجاهدين الذين درسنا سيرتهم في كتب تاريخ فلسطين .

وانتقل الحديث إلى مجريات الأمور في تلك الفترة التي تلت النكسة وأخباراللقاءات الدولية والعربية..إلا أن المختار وبعد أن طال الحديث في السياسة أراد تغيير الحديث طالباً من الأستاذ ( أحمد ) أن يسمع الجميع بعضاً من الأهازيج الفلسطينية على أوتار عوده الذي يصطحبه معه فجاء صوته كالبلسم على الجرح يطفئ ناره ويداويه..!!

كان الليل قد انتصف وأكثر..ودخل كل إلى حجرته يبحث في زواياها عن وجه أم أو أب أو زوجة أو طيف حبيب تركه هناك..هناك بعيداً..فيرتد إليه بصرة حسيراً..!!

صـَاحــِب العـُود (أحمد) كانت تلك أسعد لياليه منذ قدومه إلي القرية فقد أسمع ألحانه وصوته لأهلها وكان صدى هتافاتهم يتردد في مسمعه بينما استلقى على سريره يبحلق في السقف الذي ألـِـفَ التحديق فيه منذ أول ليلة حل في المكان ولكن الشيء الوحيد الذي تغير هو أن هذا السقف أصبح صديقاً له ولم يعد يـُشعـِره بأنه سيطبق على صدره وأنفاسه .

أطفأ المصباح ومال على جانبه الأيمن وقرأ المعوذات وآية الكرسي التي منحته الطمأنينة ، وغـَط في نوم عميق ما أيقظه منه إلا صوت غناء وطبل وزمر وصوت أقدام هُـيئ له أنها ترقص فوق سطح الغرفة ففتح عينية وفركها وأنصت ظناً منه أنه يحلم، ولكن الغناء والعزف والرقص ما توقف بل سمعه وأحس به فقام من مكانه وأضاء الغرفة فسكت كل شيء فجأة ؟!

أراد أن يوقظ زملائه ولكنه تردد خوفاً من أن يكون ما سمعه مجرد حلم أو شيء ما عرف له تفسيراً .. فعاد إلى سريره يحاول أن ينام ولكن عبثاً فقد طلع الفجر وما نام بل بقي منتظراً أن يسمع ذاك الغناء والرقص مرة أخرى ولكن هذا لم يحدث ..!؟

احتفظ في سره بما سمع وما حـَـدَّثَ به أحد حتى جاء الليل فشعر بخوف من المبيت لوحده في الغرفة فدعى الأستاذ (مصطفى) ليسهر معه بحجة أنه يريد التسامر معه والاستمتاع بأحاديثه الدينية فاستجاب له ولم يبخل عليه بالكثير من الأحاديث والآيات شارحاً وموضحاً المناسـبة التي نزلـت فيها.. حتى غشيهما النعاس فاستأذن الأستاذ (مصطفى) بالعودة إلى غرفته بحجة أنه لا يستطيع النوم إلا في فراشه وأن النوم في حجرة ( أحمد ) على الأرض يتعبه.

بقي (أحمد) ممداً على سريره ،وما لبث قليلا حتى رجع إليه الأستاذ (مصطفى) ليطفئ نور الغرفة وحينها دب الرعب في قلبه ولكنه ما قوي على التصريح بما في نفسه فالتزم الصمت وهو يقرأ من القرآن ما يحفظ .. حتى تنامى إلى مسمعه نفس العزف والغناء والرقص فشعر بكل جسده قد شـُـل عن الحركة وما استطاع النهوض لينير المصباح وحبس أنفاسه حتى خـُـيّـل إليه أنه راح في غـيبوبة..!!

في الصباح لاحظ الجميع أن (أحمد) مرهقاً وبدا شاحباً كمن لم ينم شهراً فطمأنهم انه بخير ولكنه يفكر في عمل موسيقي كبير يشغل كل وقته وتفكيره .. وافقوه بعد أن أسدوا النصح له بضرورة الانتباه إلى نفسه فنحن في قرية ليس فيها أطباء مقيمون وأن طبيب الوحدة الصحية في المركز القريب من القرية يزورها مرة واحدة كل الأسبوع .

ما عاد (أحمد) يطيق الجلوس وحيداً في غرفته حتى في النهار وأصبح يبحث عن مبرر يبقيه جالساً على عتبة البيت إلى وقت متأخر رغم برودة الجو القارسة في فصل الشتاء فالوقت هو نصف السنة الدراسية وبرد كانون الثاني يسري في الأوصال بينما يرتدي معطفاً ثقيلاً و فوقه بطانية من الصوف ، ولكنه لا يستطيع الإفصاح عما يعتريه من خوف، وقد تصادف أن مر به رجل من أهل القرية وهو على حاله هذه فجلس بجانبه على عتبة البيت يسامره ويسأله عن أحواله وكيف يرى الحياة في قريته الصغيرة بالنسبة لحياته في المدينة قبل مجيئه وتشعب الحديث عن أحوال الطقس وطبيعة الحياة في القرية فرمى الرجل بكلمة وقعت في نفس (أحمد) كالقنبلة الانشطارية وكادت أن تمزق أحشاءه من الفزع حين أخبره الرجل أن القرية مسكونة بالجن ولكنهم في معظمهم من النوع الحميد الذي لا يؤذي وذكر له أنهم ألـِفوا الحياة معهم وأن رجلاً من القرية قد تزوج جنية وهو يزورها عند شجرة الزيتون الضخمة التي تتوسط الحقل بجانب الطريق الرئيسي من الناحية الشمالية وكل القرية تعرف هذا، ولكن دعني أسـِر لك سراً فزواج الجنية يحتاج رجلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المرأة الإنسـية من زوجها.!!؟

قام الرجل من مكانه وهو يمازح (أحمد).. إياك أن تتعرف على جنية أو تتزوجها فإنها ستقضي عليك قبل العطلة الصيفية .. خاصة أنك ضعيف النبية ولن تقوى عليها بينما كان (أحمد) يرتعد وينتقض خوفاً.. تركه الرجل دون أن يعرف ما فعله به .!!

كلام الرجل كان في صلب الحالة التي يعاني منها (أحمد) الشاب الرقيق ..الموسيقي المرهف الحس فقد انشغل تفكيره وحواسه بتلك الحفلات الراقصة ليلياً فوق سطح غرفته، وتساءل هل يا ترى يحدث هذا فوق سطح جميع الغرف، وأن كل منهم يتكتم على ما يجري فوق سطح غرفته ؟

وإن كان هذا يحدث..فكيف لى بمعرفته ؟

لا بد من أن أقص ما يجري على أحدهم لربما شاركني القلق أو وجدنا حلاً.. حدث (أحمد) نفسه !!

ما زالت الشمس تطل من وراء الغيوم التي تناثرت في سماء القرية وهي تنسحب ببطء نحو المغيب خلف سلسلة الجبال البعيدة والتي انعكست عليها ألوان الشفق وتعانقت في لوحة ربانية جعلت (أحمد) يسرح فيها بعيداً عن حالة الرعب التي تتملكه وتأخذه إلى نغم بدأ يشدو به ويترنم حتى علا صوته بعد أن رحلت الشمس ونامت في حضن العتمة التي غلفت القرية وهو في مكانه ما درى بمرور الوقت وما أخرجه من حالته هذه إلا صوت أذان المغرب يأتي منادياً إلى الصلاة، فقام من مكانه ليصلي المغرب في المسجد مع زملائه المدرسين .

عاد إلى البيت وما زالت جوارح (أحمد) تنتفض من كلام الرجل الذي جالسه ومن حديثه عن الجن الذين يسكنون القرية ، وذاك الذي تزوج جنية، وتساءل في نفسه عن إمكانية حدوث مثل هذه الأمور وتذكر قصة سمعها في صغرة من أحد جيرانه في بلدته وكان صاحب مقهىً صغيراً في طرف الحارة وكيف أن هذا الرجل الذي اعتاد أن يعود إلى بيته بعد أن يغلق المقهى عند منتصف الليل وهو يحمل معه جهاز الراديو الكبير ذو الصندوق الخشبي وذلك في زمن لم تكن فيه الأجهزة الكهربائية متوفرة وكان جهاز الراديو يعتبر من المقتنيات الثمينة أما بالنسبة له فهو رأس مال حقيقي يستمتع ببثه رواد المقهى وقد يكون سبباً في حضور الكثيرين للاستماع إلى الأخبار أو أغنيات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان و ووديع الصافي وفيروز وموزة سعيد وبهيجة الإدريسي وغيرهم من المغنين العرب المشهورين .

وبينما الرجل في طريقه المعتم إلى البيت في ليلة صيفية شعر بنقرة على جهاز الراديو ذو الصندوق الخشبي الذي يحمله على كتفه فظن أن بعض الأسلاك التي تدلت منه هي التي تحدث الصوت الذي سمعه، ولكن الأمر تكرر فرفع رأسه ومد يده لترتيب وضع المذياع على كتفه فالتقت عيناه بعيون غريبة وجسد عملاق استطال حتى ما كاد يرى له رأساً، فهرع يهرول نحو بيته وهو يستعيذ بالله حتى وصل إلى عمود النور المنتصب في نهاية الطريق المعتم فاختفى الجسد العملاق ودخل الرجل بيته فزعاً.

تذكر (أحمد) هذه الحكاية التي سمعها منذ سنوات بعيدة في بلدته وربطها بما يحدث معه في غرفته حين يضيء المصباح ويسكت الغناء والرقص فتيقن من صدق هواجسه.!!

امسك بعـُودِه وأخذ يدندن عليه ، ويداعب أوتاره بشجن وحزن وكأن الأوتار تذرف الدمع على حاله وهو يضربها بعنف والتي ما اعتادت منه غير الرقة والحنان حين تمر عليها أصابعه كما لو كانت هـِـرَّة سـيامية يمسح بأصابعه على ظهرها فتلتصق به وهي تتمرغ وتتقلب بظهرها في حضنه.

تصاعد إحساسه بالفزع في هذه الليلة على غير العادة وكأنه على موعد مع شيء تسرب الخوف منه إلى نفسه  فتوقف عن العزف وألقى العود جانباً وهو يتأمله .. بل باح له بخوفه الذي يكاد يقتله فهو الصديق الذي يلازمه في كل تنقلاته وتجواله منذ عشق الموسيقى وهو أول عود يقتنيه بعد أن وفر ثمنه من مصروفه الشهري أثناء الدراسة في القاهرة، يفسح له مكانا ليتمدد بجانبه على السرير كعشيقة وحبيبة تمنحه الدفء في ليله الشتائي البارد في هذه القرية النائية والصامتة.. إلا من عـُـرسٍ يُقام كل ليلة فوق سطح غرفته الباردة..!!

مد جسده المرهق على السرير وما أطفأ النور .. حيث يبقيه كل ليلة حتى لا يسمع الغناء والطبل والرقص، بينما هواجسه ما سكنت فقد ألَحـَّت في نفسه بعض أسئلة ..هل إبقاء الغرفة مُضاءة يمنع وجود هؤلاء الجـِنْ فوق سطح الغرفة؟

وهل يعني هذا أنهم لا يراقبونني ويتابعون كل حركاتي ؟

لا شك في ذلك ، وكل شيء جائز ما دمت لا أعرف عنهم شيئاً سوى ما أسمعه، ولربما كان كلام الرجل عنهم صحيحاً بأنهم طيبون ومن النوع الحميد الذي لا يؤذي .

هكذا بدأ يطمئن نفسه (أحمد)..!!

ولكن ماذا لو كان بينهم جـِنِّياً شريراً؟؟

ارتعد وكادت ظنونه وتخميناته وهواجسة أن تقضي عليه بمجرد أن خطرت في باله هذه الفكرة .

 

***     ***     ***

فجأة وبينما ( أحمد ) مستلق على سريره بين اليقظة والنوم أظلمت الغرفة ، فانتفض من مكانه فزعاً مرعوباً، فقد انقطع التيار الكهربائي وغرقت القرية في ظلام ليل الشتاء الدامس ، والصمت المخيف ، وأخذ ينادي على زملائه الذي غطوا في النوم وما من مجيب.

 وقبل أن يمد يده يتحسس ولاعته التي تركها فوق علبه سجائره على المنضدة القريبة منه سمع صوتاً خفيضاً يناديه باسمه..أحمد..أحمد ، انتفض مذعوراً وهو يتلفت حوله وسط الظلام فرأى ما كان يخشاه طوال الأيام العصيبة الماضية.

فتاة في عمر الربيع .. باهرة الجمال .. بكامل زينتها وقد تدلى شعرها الذي اختلط سواده بعتمة الغرفة وظلام القرية ليغطي جسدها العاري الذي شـَعـَّت منه هالة حمراء فبدت ممشوقة كتمثال إغريقي من المرمر ولمع ثدييها كتفاحتين من الفضة وهي تناديه ..لا تخف يا أحمد.. فأنا (سوراه) تركت الغناء والرقص مع أهلي لأنزوي بعيداً عنهم وأسمعك منذ جئت إلى هنا.

بهذا الهمس والكلمات الحانية أرسلت (سوراه) أول إشارة تطمئن بها (أحمد) ، وأمسكت بيده التي امتدت إلى الولاعة وهي ترجوه ألا يفعل فقد يقتلها النور أو تذوب فيه إن هي اقتربت منه، وهي تـَعـِدُهُ بأنه سيكون في أمان معها بعد الآن ولا يخشى شيئا، مردفة.. فنحن عائلة كبيرة من الجـِن الطيب، والدليل على ذلك أننا نقضي الليل في الغناء والرقص .. وكأنها تمازحه بينما هو في حالة من الذهول أكبر من طاقته واستيعابه لما يحدث .!!

ألجـَمته بكلماتها.. وزادت من ارتباكه وخوفه فهو لا يزال تحت تأثير المفاجأة ورغم هذا الشعور الذي تَملـَّكهُ منذ أن بدأ يعاني مما يجرى على سطح الغرفة إلا أن كلماتها قد وقعت في نفسه وقعاً طيباً ارتاح له بتوجس وترقب، فتجـرأ وبحذر شديد سألها: ماذا تريدين مني ؟

وكيف حضرت إلى هنا ..وووو... تلعثم في أسئلة ما نطق بها فالموقف مخيف ومرعب بالنسبة له ولا يُحسد عليه  وماذا عليه أن يفعل كي يتقي غضبها أو ثورتها إن هو تصرف بشكل لا يعجبها رغم أن كلامها فيه التودد والإعجاب بعــزفه على العـُـود..!؟

الأمر ليس بهذه البساطة..هكذا كانت نفسه تجيبه.. فهي جـِنـِّية ، وهو الآن في موقف المواجهة ولا بد من حل أو خلاص وكلما حاول أن يمد يده ليمسك بالولاعة ليشعلها توسلت إليه بصوت حنون ألا يفعل فيعود عن ذلك ويوافقها .. كارهاً انقطاع التيار الكهربائي الذي وضعه في هذا الظرف الذي ما تمناه وما كان في حساباته أبدا.!!

أحسـَّت منه التردد فبادرته بالحديث عما يجري على سطح غرفته في كل ليلة قائلة: أن هذا البيت قد بـُنـِيَ منذ سنة تقريباً وما سكنه أحد فبقي مهجوراً ونحن معشر الجـِنْ تروق لنا الأماكن المهجورة وخاصة التي لا يصلها الضوء وبعيدة عن الضوضاء كما نعشق حياة الغابات الكثيفة ولا نخشى إلا الحديد والنار فهي أقوى منا لذلك كانت إقامتنا هنا في هذا المكان الهادئ والمهجور إلى أن سكنتم فيه ونحن نراقبكم لنتعرف على سلوكياتكم وحركاتكم وما وجدنا منكم أي خطر لذلك فقد بقي الليل لنا وما كنا نتوقع أنكم تسمعوننا ، وها أنا الآن هنا لا أدري لماذا أسرد عليك كل هذا الحديث ، حتى أنني لا أدري كيف تجرأت وحضرت إليك هنا خلسة ومستغلة انقطاع التيار الكهربائي ومعرفتي مسبقاً أنني قد أسبب لك الخوف والإزعاج ، فأنتم معشر البشر لكم سلوكيات غريبة معنا.

هل أميل اليك ؟ وكنت قد أحببت عزفك وألحانك.. هل سأحبك ؟! ..أردفت بكلمات دافئة .

أما ( أحمد ) فرغم الهدوء الذي نزل عليه فقد خـُيـِّل إليه أنها تمازحه بينما ازدادت وجنتاها إحمراراً ولمعت عيناها بشبق صارخ أخافه ، وكاد أن يَخـِر صريعاً لولا أنه تماسك وأخذ في مجاراتها خوفاً من أن تنقلب عواطفها ومشاعرها إلى غضب لا تُحمَد عقباه معقبا أنه يسمع الغناء والموسيقى على سطح غرفته .. ولكنه لا يفهم منه شيئاً!!

جلجلت منها ضحكة ما سمعها غيره وسط الظلام الذي يغلف القرية .. ولكن..عاد النور فجأة ، فاختفت من أمامه كالبرق .. فتمنى ألا ترجع أبداً !!

تهامس المدرسون فيما بينهم وأبدوا قلقهم على (أحمد)..فهو صغير السن وقليل التجربة وربما هذا الفتى يشعر بضيق وألم لابتعاده عن حياة المدينة ولربما هو في شوق شديد لأهله ، وقد قرروا أن يتحدثوا إليه فهم أصحاب تجربة أكبر منه و قد ساءت حالته وضعف قوامه ولاحظوا أنه يجالسهم وهو ساهم وشارد الذهن و لا شهية له للطعام هذا ما تهامسوا به.

حدثه الأستاذ ( مصطفى ) مداعباً ..هل أنت في حالة عِشق يا بُـنَي ؟؟!!

بعيداً.. ذهب بفكره (أحمد) لتتجسد له صورة (سوراه) وبدى عليه الشرود إلا أنه أنكر في نفسه أنه مازال يذكر تفاصيل تلك الدقائق التي ظهرت له فيها وسط العتمة ليلة أمس، وهو يبتسم نصف ابتسامه ويرد بكلمات فيها سخرية المتألم..أنت بالك رايق يا أستاذ ( مصطفى )!!

وبحنان الأب على ابنه سأله عما يشغل باله ويقلقه بهذا الشكل ؟!

فانهار وانخرط (أحمد) في البكاء، حتى علا نحيبه الذي سمعه باقي الأساتذه فحضروا مسرعين من غرفهم وهم في حيرة ودهشة ويسألونه ما الأمر يا ..أحمد ؟!!

نفسه الأبية وكرامته لا تسمح له بأن يراه أحد وهو في هذا الوضع، ولكنه اعتذر منهم وهو يقول :

أنتم أخوتي وأبناء بلدي وأكبر مني سنا وأكثر خبرة في الحياة ، وأنتم أهلي، وليس لي هنا إلا أنتم فأنقذوني مما أنا فيه !!

أخذتهم الدهشة وتبادلوا النظرات الخاطفة وفي عيون كل منهم سؤال كبير.. ما الأمر؟ أخبرنا سأله الأستاذ ( نعيم ).. فنحن كما قلت أهلك وأخوتك وعشيرتك في هذه الغربة وسنساعدك بكل ما نملك .. فأفصح لنا عن حالك وما بك يا بني ؟!

حين قص عليهم حكايته منذ الأيام الأولى التي سكنوا فيها هذا البيت، بدت الدهشة على وجوههم، وأخبروه أن شيئاً من هذا ما حدث مع أي منهم ولكنه أكد لهم روايته عن الغناء والرقص والموسيقى التي يسمعها كل ليلة فوق سطح غرفته، وأن رجلاً من أهل القرية قد صارحه حين مر به وهو جالس بباب البيت أن هذه القرية مسكونة بالجن .. وأضاف (أحمد) ضاحكاً .. جـِنٌ من النوع الحميد يعني .. جـِن طَيب .. !!!!، هل تصدقون أن هناك جن طيب وآخر شرير ؟؟ ساخراً من حالته .

وقد.. زارتني إحدى بنات الجن ليلة أمس وقت انقطاع التيار الكهربائي وجلست معي وحادثتني بكلام طيب ولكنني خائف ومرعوب فأنا لا آمن على نفسي من البشر فكيف لي أن آمن عليها من مخلوقات غريبة غير مرئية ولا أدري كيف سأتصرف لو أنها ظهرت لي مرة أخرى.. كانت عيون الجميع تنظر إليه بحذر وتبادلوا نظرات الشك في قدراته التخيلية وظنوا أن حياة القرية النائية قد أصابت عقله بمسٍ !!

وأردف أنها كانت لطيفة معه و ما لمسته أو أنه لمسها و لكن بمجرد أن عاد التيار الكهربائي اختفت فجأة،هل يمكن أن تكون قد صعقت من الضوء المفاجئ .. سألهم بصوت خفيض؟؟

هون عليك يا بني قالها برفق الأستاذ ( مصطفى ) وأضاف أنه خلال دراسته في المعهد الديني ومن بعده في الأزهر فإن كل البشر يعرفون أن في القرآن الكريم سورة اسمها سورة الجـِن ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ولا شك أن الذي تسمعه حقيقة، ولكن لا بأس فسوف ننظر كيف نخلصك من هذا الوضع الذي أوصلك إلى هذه الحالة من الضعف، مردفاً أنه سينام معه الليلة على الأرض عسى أن تخاف منه الجن فلا تسهر على سطح غرفتك يا ســــ أحمد.. ختم كلامه ممازحاً !!

***     ***     ***

قرر الجميع أن يجلسوا في غرفة (أحمد) يقرأون القرآن بصوت عال فهذا هو الحل الذي سيجعل الجن الذين اتخذوا من سطح غرفته مسكناً لهم وخاصة إن كان بينهم من هو شرير أن يرحلوا فإن قراءة القرآن ستجعلهم يرحلون دون تردد،ولم يستغرب ذلك (أحمد) حين عادوا جميعا بعد صلاة العشاء في مسجد القرية وبدأوا يتسامرون ويتبادلون الأحاديث التقليدية إلى أن طلب الأستاذ (مصطفى) أن يبدأ بقرأة ما تيسر من الآيات بصوته الرخيم وسط استماع الجميع بخشوع تام وهم يسترقون النظرات إلى وجه (أحمد) الذي بدا عليه الارتياح وغشيته السكينة والطمأنينة ، ثم بدأوا في الأدعية التي يحفظونها واستنجدوا بالله أن يخلصهم من هذه المخلوقات الغريبة عليهم وأن يرحلوا عن هذا المكان بلا رجعة حامدين لله وشاكرين له نعمائه وراضين بما قسم لهم من الخير ..في الوقت الذي قام فيه الأستاذ (محمد) مدرس العلوم بإطفاء نور الغرفة حسب الاتفاق المسبق بينهم وانتظروا ليروا ردة الفعل، وطال انتظارهم  وما ظهر أحد من الجن أو سمعوا صوتاً لغناء أو رقص..فحمدوا الله وشكروه وتمنوا لأحمد أن ينام الليلة قرير العين فلن يزعجه أحد بعد الآن.

أعاد(أحمد) إضاءة الغرفة بعد أن غادرها زملاؤه جميعا وقبل أن يستدير ليعود إلى سريره انطفأ نور الغرفة فعاد وأنارها ثم ما لبث أن استدار حتى انطفأ مرة أخرى ،وقبل أن يصرخ فزعا وينادي على زملائه سمع همساً يأتيه من صندوق العـُـود يناديه باسمه ...أحمد..أحمد ، أنا (سوراه) لا تخف وضمته إليها ضمة ما قـَوي على الأفلات منها فقد مشت بيدها على شـَعرِه ووجه وعيناه حتى مسـَّته بنفحةِ الجـِنْ التي كان يخشاها ولا فكاك منها إلا بقـُدرةِ الله وأصبح كالهرة الوديعة حين تستلقي في حضن طفل برئ، وتذكر الرجل الذي مر به على باب البيت وترددت كلماته في مسمعه : ( أن القرية مسكونة بالجِن ولكنهم في معظمهم من النوع الحميد الذي لا يـُؤذي وذَكَرَ له أنهم ألـِفوا الحياة معهم وأن رجلاً من القرية قد تزوج جـِنـِّية وهو يزورها عند شجرة الزيتون الضخمة التي تتوسط الحقل بجانب الطريق الرئيسي من الناحية الشمالية وكل القرية تعرف هذا، ولكن دعني أ ُســِـِرُ لك سـِراً فـَزواج الجـِنِّية يحتاج رجُلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المـَرأة الإنسـِـيَّة من زوجها. )..!!

مرت الأيام بينما المدرسون في ظنهم أن (أحمد) قد شفى تماماً وخاصة أنه ما عاد يأتي بحديثه السابق عن الغناء والرقص على سطح غرفته.

وصدفة وبدون سابق ميعاد التقى (أحمد) بالرجل الذي حدثه عن الجِـن في القرية فأضمر أمرا وطلب منه أن يُعـَرِّفـَهُ بذاك المتزوج من جـِنِّية بحجة أنه يريد معرفة المزيد عن حياة هؤلاء المخلوقات التي تعيش حولنا دون أن نراها  وقد كان له ما طلب.

قَصَ (أحمد) على الرَجُل المتزوج من جـِنَّية قصته مستنجداً به ليدُله على طريقة تُخَلـِّصه من ذاك المَـسِ الذي استنفذ قـُواه وقُدراته الجسدية وأبقت شهوته ملتهبة منذ مَسـَّته يـَد(سوراه )..فأطرق الرجل قليلاً ثم قال له إنها طريقة واحدة لا ثاني لها فبعد الاستعانة بالله والمداومة على قراءة القرآن الكريم عليك بأكل قطعة لحم من الفخذ الأيمن لـِذئبْ  فالـذِئب هو الحيوان الوحيد الذي تخشاه الجـِنْ ولا تستطيع الحِراك من مكانها إن رأته في الظلام بل يشـُلها عن الحركة بمجرد أن تراه، وهو لا يبرح مكانه حتى ينال منها ويأكلها، لذلك يقول شيوخ قريتنا والقرى المجاورة أن الذي يأكل لحم الذئب لا تَقربـَه الجـِنْ أبداً ..!

ومن أين لي بفخذ الذِئب هذه، ولماذا لم تفعل ذلك أنت.. سـَأله (أحمد) ؟

سأوفرها لك بعد أيام ،فغابات الزيتون الممتدة لمسافات بعيدة تعج بالذئاب ومن السهل الحصول على ما تريد، أما أنا فقد وقعت فعلاً في حب زوجتي الجـِنِّية ولا أريد الابتعاد عنها هذا كل شيء وباختصار .

ما انقطع (أحمد)عن قراءة القرآن الكريم في غرفته، وما عاد يخرج في صُحبة المدرسين للاستمتاع بتفتح الأزهار والورود في فصل الربيع الذي ألبس القرية حـُلةً بهيجة ولـَوَّنَها بأجمل الألوان ، فقد لـَزِمَ غرفته ونزلت عليه السكينة كما أن (سوراه) ما عادت تزوره ، وما عرف عنها شيئا رغم إحساسه بأنها ربما تراقبه ولكنها لا تقوى على الظهور له ما دام يقرأ القرآن، وقد زاد من ظنه أنه لربما بعد أن أكل من الفخذ الأيمن للذئب ما عادت تشعر نحوه برغبة أو أنها تخشاه كما يخشى الجـِنَّ الذِئب.!

إستمر على هذا الحال والأيام تمضي حتى قارب العام الدراسي على نهايته وبدأ المدرسون يعدون العـُدَّة لإجازة الصيف الطويلة.

في يوم مغادرة القرية أقبل المختار ووجهاء القرية ومدير المدرسة وبعض الأهالي لوداعهم في الساحة الرئيسية بقرب مسجد القرية الصغير بعد صلاة الفجر حيث اســتقلوا الحافلة إلى العاصمة ، وأخذ كل مقعده مع بشائر الفجر التي لاحَت في الأفق ففوجئ (أحمد) وقد جلس في مؤخرة الحافلة حتى يتمكن من استكمال نومه بوجود ( سوراه) بجانبه فشهق بصوت كتمته بيدها على عَجَلٍ وضمته إلى صدرها بقوة ،شعر معها بأن تمتص ما بقي فيه من رحيق وهي تردف إنما جئت لأوَدِّعـَك.. يا حـَبيبي ، بينما ( أحمد ) أصابه إغماء وتعب شديد ما شعر به من قبل وتذكر كلمات الرجل الذي مر به على باب البيت وترددت كلماته في مسمعه : ( ولكن دعني أ ُســِـِرُ لك سـِراً فـَزواج الجـِنِّية يحتاج رجُلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المـَرأة الإنسـِـيَّة من زوجها. )..!!

بعد ساعات استيقظ وهو يتحسس المكان،ويلتفت حوله فما وجد غير مساحات شاسعة من غابات الزيتون تمتد حتى عانقت الأفق بينما الحافة تقطع الطريق إلى المدينة، وصوت أغنية يحبها ينبعث من مذياع الحافلة..مسافر زاده الخيال....

فأعاد النظر إلى الغابة وأطلق حمامة حبسها في قلبه منذ سنة.. حين وصل هذه القرية النائية وأخذ يعيد صورا جميلة كادت ملامحها تضيع ..!!

 

 

 

 

( الفصل الثاني)

 

بقي على صمته من أثر المفاجأة التي ما توقعها بعد أن طالت غيبة ( سوراه ) لفترة طويلة واعتقد بأنها لن تعود ثانية بعد أن أكل من لحم فخذ الذئب وكانت تمر بخاطره على فترات متباعدة ويشتاق إليها بعد أن آنس لها وشعر منها الود على الرغم من توجسه الذي لازمه نحو طبيعتها التي ظن أنه لن يلم بكل جوانبها لاختلاف جنسها عن البشر وبما علق في ذهنه من معلومات واعتقادات عن سلوكيات الجن التي كانت تخيفه بل كان يرتجف كلما سمع حديثاً عن الجن حين كان طفلاً صغيراً فقد كان يسترق السمع لأحاديث شيوخ الحارة عنهم حين يجلسون يتسامرون ويلعبون بأحجارهم الصغيرة لعبة " الدامة "ويتندرون بالقصص التي عايشوها في شبابهم وتنقلاتهم بين مدن وقرى فلسطين قبل النكبة ، ولكن لحظات من الطمأنينة كانت تغشـاه وأنه كلما كبر كانت تلك الأحاسيس بالخوف تبتعد وتتوارى مع الأيام وخاصة بعد أن التزم قرأة القرآن وحافظ على أداء الصلاة في وقتها وتذكر ما جاء في سورة "الجن" من وصفهم وأنهم ذوي قدرات مميزة ولهم مساحات محدودة يستطيعون الحركة فيها وأماكن يعيشون فيها بعيداً عن الضوضاء والضوء والنار والأماكن التي يكثر فيها الحديد، وأن منهم الطيب ومنهم الغير ذلك. كل هذه المعارف التي كانت تحد من خوفه وتمنحه المزيد من القدرة على التخيل والتفكير بشكل أقرب إلى المنطقي بعد لقائه واستئناسه بعد خوفه من ( سوراه ) التي ربما هي فرصته كي يتعرف من خلال شخصها على الطيبين من الجن .

الشمس وراء الأفق ترسم خطوط نهار جديد بينما الحافلة تطوي الطريق إلى المدينة بسرعة فائقة خاصة أن الطريق خالٍ تماما في البرية بين القرى والمدن في مثل هذا الوقت المبكر بعد أن اجتازت الحافلة غابة الزيتون الشاسعة وبدت من بعيد بيوت البدو الرحل وما خلفته قطعان الغنم الماشية التي بدأت المسير نحو المراعي من غبار رسم لوحة جميلة تخللتها أشعة شمس الصباح بنسيمه البارد العليل و ( احمد ) مازال في عالمه ، وما أعاده إلا توقف الحافلة فجأة فاصطدم رأسه بحافة الكرسي الذي أمامه مما آلمه قليلاً ثم عاد وأسند رأسه إلى الخلف مغمضاً عينية طمعاً بصورة جميلة أو ذكريات تمر بصورها الحلوة مازالت عالقة في الذاكرة والسائق يزمجر بكلمات رَوَّعـَت ركاب الحافلة حين تركها ونزل منها يصرخ ، فأخذ يتلفت حوله في هذه البرية التي فيها كل شيء مكشوف وعلى مدى البصر وما رأى أحــَداً .

عاد السائق وهو يحدث نفسه ويتمتم بآيات قرآنية مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم وعيون الركاب تسأله ما الأمر قبل أن يأخذ مقعده خلف المقـود، فأخبرهم بأنه رأى امرأة تعترض الطريق الأمر الذي جعله يتوقف فجأة ويسبب لهم هذا الإزعاج، ولكنه حين نزل يستطلع أمرها ما وجد شيئا.. ربما هيئ لي شيء من هذا فأنا أعتذر وجه كلامه إليهم وعاد إلى مكانه خلف المقـود وبدأ السـير نحو المدينة.

عاد الهدوء يخيم على الحافلة إلا صوت المذياع مازال يغني أغنيات شعبية ووطنية ،وما أثار فضول ( أحمد ) حديث السائق عن امرأة توهم وجودها تعترض طريقه وسط البرية بمناظرها الخلابة التي كان يتأملها، وما خطر له أن تكون ( سوراه ) هي تلك المرأة التي تستطيع الظهور بأشكال مختلفة بنفس القدرة على الاختفاء بأقل من طرفة عين ... هكذا كان يعتقد بأن الجن يستطيعون قطع المسافات الطويلة برمشة عين ولربما من تأثير الحكايات التي كانت تقصها جدته عليه وإخوانه وأبناء عمه في ليالي الشتاء الطويلة.. كم كانت جدتي جميلة وطيبة وهي تحكي لنا حكايات الجن والشاطر حسن حدث ( أحمد ) نفسه وهو يتحسس المكان الخالي في مقعده خوفاً أن تكون ( سوراه ) قد عادت في غفلة من السائق والركاب وما رآها أحد.. لكنه اطمأن أن المكان مازال خاليا، فأعاد النظر من نافذة الحافلة إلى تلك المناظر الجميلة التي تمخر عبابها الحافلة بأقصى سرعة.

استمر على حاله مسندا رأسه إلى الخلف وعاد بذاكرته إلى العام الماضي حيث الأصدقاء والأحباب وقبل التعاقد للعمل في هذا البلد المغربي بعد التخرج حين التقى ( أحمد ) على غير موعد مع ( زهره ) فانشرح صدره وخفق قلبه كأنه يراها لأول مرة بعد خمس سنين من الدراسة اجتمعا فيها مئات المرات فدعاها لشرب فنجان قهوة في حديقة المعهد فاستجابت بلا تردد مما زاد من سعادته التي بدت على محياه وهيأ نفسه لكلمات حبسها سنوات ولن تتهيأ له فرصة كهذه اللحظة وأيقن وهو ينظر في عينيها الواسعتين أنها تحبس نفس الكلمات مما شجعه على أن يبوح لها بتمهل عن حبه لها ، فاحمر وجهها خجلا لوقع كلماته التي تأخرت سنين طويلة وكاد أن يسقط من يدها فنجان القهوة الذي كانت ترتشفه، وطأطأت رأسها ونطقت بكلمات خجولة وصلت إلى مسامعه خافتة متحشرجة وهي تتلعثم لا تدري كيف تؤكد له أنها طوال سنين الدراسة في المعهد كانت تحمل له نفس المشاعر واعترفت له بأنها كانت تنتظر اللحظة التي تبوح له فيها بمشاعرها لكن خجلها لكونها فتاة كان يمنعها من ذلك وأن بوحه تأخر كثيرا . أما الآن فقد تقدم لخطبتي ابن عمي الذي لاقى القبول من أهلي وما عاد الأمر في يدي وأنني سأبقى محتفظة لك بكل هذه المشاعر النبيلة ولنحافظ على صداقتنا ..أضافت، ثم توقفت بـُرهة وكأنها حبست كلمة أخرى أرادت البوح بها فألـَحَ عليها أن تكمل كي يطمئن إلى كل ما ترغب به نفسه أن تعرف فترددت قليلا وهي تضيف .. بأنك ما زلت في أول الطريق وأمامك صعاب كثيرة وثقيلة كونك فلسطينيا يعيش في الشتات وعليك أن تبحث عن مكان تستقر فيه للعمل ثم تنظيم أمر حياتك كما يفعل الآخرون، وهذا يضع حاجزا بيننا كوني فتاة تحكمني عادات وتقاليد ليس في استطاعتي تحديها أو الانتظار فقد فهمت هذا الأمر منذ مدة طويلة ولكنني بقيت على حبي لك رغما عني، إلا أن الواقع يصطدم مع الحقيقة التي كنت أؤجل الاعتراف بها وما عدت أملك من أمري شيئا وأقصى ما يمكنني عمله الآن بعد التخرج هو أنني سأعمل مدرسة للموسيقا في مدرسة للصغار أو للبنات لأساعد ابن عمي على تحمل نفقات حياتنا الأسرية، وأتمنى لك التوفيق في مشوارك الذي أعرف أنه سيكون شاقا .

وسط بحر من الدموع وصوتها الذي ضاع وابتلعته مرغمة دفنت ( زهره ) قصة حب تفتحت براعمها منذ سنين دون التصريح لكن صداها تردد بقسوة في قلب ( أحمد ) الذي يصله صوت مذياع الحافلة بأغنية شعبية توافقت مع وجوده في هذه البرية التي تقطعها الحالفة وقد تعامدت الشمس في كبد السماء وبدأت حرارة الجو بالارتفاع بينما الركاب ومعهم باقي زملائه من المدرسين كل على مقعده يستمع أو يدندن بأغنية خاصة به ،إلا هو فقد بدأت جروح قلبه تستعيد نزفها.

((كونك فلسطينيا يعيش في الشتات وعليك أن تبحث عن مكان تستقر فيه للعمل ثم تنظيم أمر حياتك كما يفعل الآخرون..!!؟؟)) كان هذا جوابا لسؤال أكبر مني.. رددها ( أحمد ) في سره ، لكنني الآن أستطيع بعد هذا المشوار القاسي أن أستوعب وأقدر ما قالته ( زهرة ).. نعم يجب أن أنظم أمري كالآخرين !! ولكن كيف وكل شيء يبدو أكثر غموضا من ذي قبل؟! بقي السؤال قائما في ذهن ( أحمد ) صاحب العود .!!

بعد ساعات طويلة استغرقتها الرحلة من القرية البعيدة النائية إلى قلب المدينة غابت الكثير من الأفكار التي راودته خلالها وافترق عن زملائه الذين توجه كل منهم إلى نزل يعرفه حتى يحين موعد السفر إلى القاهرة واللقاء بعد يومين في المقهى الملاصق لمبنى السينما وسط المدينة.

في المرات القليلة التي حضر فيها ( أحمد ) إلى المدينة من القرية،كان أول شيء يفعله هو التوجه إلى مطعم ويطلب ما لذ وطاب من المأكولات ثم يعرج على محل للحلويات الشرقية فيشفي غليله من الكنافة والبقلاوة حيث لا شيء من هذا في القرية وقد كان يحرص على أن يحمل بعضها معه حين يعود إلى القرية في كل مرة يزور فيها المدينة.

في هذه المرة كان مروره بالمدينة مختلفا لأن المدة ستطول لأكثر من شهرين ونصف والعودة إلى القاهرة حيث شقته التي أوكل بها إلى أحد أصدقائه لقيم فيها إلى حين عودته حيث لا مكان يعود إليه في إجازته الصيفية الطويلة هذه، وقد تتاح له فرصة لقاء بعض الأصدقاء الذي يفدون إليها من كل البلاد العربية التي يعملون فيها حيث بات من الممكن زيارة الوطن لمن يحمل هوية أو من يحصل على تصريح زيارة تمنحه سلطات الاحتلال لمدة محددة.

 عشر سنوات من عـُمر ( أحمد ) مرت وهو يعاني من عدم قدرته على تحقيق بعضا من أمنياته وأحلامه الكثيرة التي حالت صعوبة الحياة وعدم الاستقرار بينها وبينه ، في الوقت الذي كانت ( سوراه ) تغيب عنه مدة طويلة دون أن تزوره حتى اعتاد منها ذلك وما عاد يسألها عن سبب غيابها الطويل بعد أن ساءت حالته النفسية ومعاناته من الحياة في القرية التي لم يلحظ فيها تطورا ملموسا على مدى السنوات العشر التي قضاها فيها حتى دب في نفسه الملل والضجر وأصبح قليل الجلوس إلى الآخرين من زملائه الذين تبدلوا وتنوعت بلدانهم العربية حيث انتقل الرعيل الأول من المدرسين الذين حضروا معه إلى مدن وقرى أخرى بعيدة وقد احتفظوا بالتواصل معه عبر الرسائل في البداية يصفون فيها حياتهم كل في مدينته الجديدة أو قريته ولم تخل رسائلهم من معاناة تزيد من معاناة

( أحمد ) الذي مزقته الغربة وأصبح يميل إلى العزلة والانطواء وابتعد عن المشاركة في اللقاءات الاجتماعية وأنشطتها الفنية حيث حضر مدرس آخر للموسيقا في القرية وكان ( أحمد ) بحكم الخبرة مسؤولا عنه ويوجهه رغم أن هذا المدرس كانت به رغبة واضحة للمشاركة في الحفلات الموسيقية التي اعتادتها القرية خلال العشر سنوات حتى أن الكثيرين كانوا في مجالسهم يذكرون كيف كانت أول حفلاته التي أتحفهم فيها ببعض الأغنيات الشعبية وجمال تلك الليلة التي تعتبر أول ليلة يقام فيها حفل موسيقي في القرية،الأمر الذي كان يبعث في نفس (أحمد ) بعض النشوة والفرح لبعض الوقت ثم لا يلبث أن يعود إلى عالم الإنطواء وكأن يصارع شيئا في داخله يريد أن يقضي عليه.

 

 

***     ***     ***

في إحدى الإجازات الصيفية بينما كان يسير في أحد شوارع القاهرة الرئيسية والمزدحمة.. توقف فجأة كما لو أصابته صدمة كهربائية، فقفز في الهواء لا يصدق ما تراه عيناه..هل حقا ما أرى ؟؟

لابد أنني في حلم أو أصابتني ضربة شمس من حر القاهرة الصيفي .. يا إلهي .. أهي حقا ( زهره ) ؟؟

 بصوته الخافت قالها ( أحمد ) وقد تهلل وجهه فرحا.

انسكبت كل هذه الأسئلة وتملكته حيرة ضاعفت من حالة القلق التي يعيشها إلا من لحظة أمل تفتحت وسط هذا الشارع الرئيسي المزدحم بآلاف البشر وبينهم ( زهره ) !!

إنها على الجانب الآخر من الشارع وسط زحام القاهرة الشديد في مثل هذه الأيام وصيفها الحار. توقف قليلا وجال ببصره حولها بحرص شديد فرآها تدخل أحد المحلات التجارية الكبيرة والمزدحمة دون مرافق أو هكذا خـُـيـِّل إليه وما تمكن من تحديد مرافقها من شدة الازدحام فقرر أن يتبعها إلى داخل المحل لربما حظي بلقائها أو تحدث إليها ولو لدقائق هكذا مـَنـَى نفسه القلقة والمضطربة فشق طريقه إلى الرصيف في الناحية الأخرى وسط السيارات المتلاصقة التي تسيرفي الشارع الرئيس بصعوبة بالغة وقد أطلقت أبواقها بينما ( أحمد ) يقفز بينها وكأن الشارع قد خلا من آلاف البشر الذين اكتظ بهم حتى وجد نفسه داخل المحل الكبير بينما عيناه تجولان وتمسحان المكان بحثا عن ( زهره ) التي ما أن رآها حتى اشتعلت في نفسه نارا ظن أنها خمدت منذ سنوات بعيدة كانت ( سوراه ) تطفؤها كلما لفحته بلمستها الجـِنيـَّة فتسمو به عاليا إلى سماء عرف كل تضاريسها منذ سنوات بتلك النشوة التي تمس كل أجزاء جسده النحيل وتمتص شهوته وتتركه جسدا مسلوبا وعقلا مشتتا فكان يتذكر كلام الرجل الذي التقاه على باب البيت منذ سنوات عشر وأسدى له نصيحة مازال يذكرها حين قال له: ((( ولكن دعني أُســِـِرُ لك سـِراً فـَزواج الجـِنِّية يحتاج رجُلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المـَرأة الإنسـِـيَّة من زوجها...!! ))) فيعض أصابع الندم على سقوطه في حبال ( سوراه ) و ما عاد يقوى على الإفلات من سطوتها فقد استسلم لها بعد أن سـلبته إرادته وأخفى ذلك عن زملائه المدرسين الذين كان يستنجد بهم في بداية الأمر حتى ظنوا أنه شـَفي منها ومن زياراتها التي أرعبته في البداية.

إلى الدور العلوي من المحل التجاري الكبير صعد دون وعي منه سوى أن يجد ( زهره ) فقد طار لبه حين وقع نظره عليها.. فماذا سيحدث لي لو أنني لم أقابلها أو أتحدث إليها في هذه الفرصة التي ربما لن تتكرر مدى الحياة ..هكذا عاد يحدث نفسه ؟ وهو يصطدم بكل من تصادف مروره بجانبه أو في طريقه إلى الدور العلوي صاعدا السلم بأقصى سرعة حتى توقف وسط الدور العلوي واللهفة تتملكه بينما أخذ يتلفت يمنة ويسرى ويدور حول نفسه وينظر إلى الطابق الثاني دون اكتراث بعيون بعض الذين استرعى انتباهمم حاله .. وضياعه .

أين اختفت؟ لا أظنها قد صعدت إلى الدور الثاني بهذه السرعة.. هكذا فكر بصوت مسموع وتمتم بكلمات لعن فيها حظه الذي أتى به إلى هذا الشارع في هذا اليوم النحس ..لا بل هو أسعد أيام عمري.. قالها وقد انفرجت أساريره عندما رأى ( زهره ) تتحدث إلى إحدى البائعات فاقترب منها بهدوء وهو يحاول أن يمسك نفسه و كاد أن يربت على كتفها ليفاجئها بوجوده لولا أن يدا أخرى سبقته لتلتف حول خصرها و بكلمات حب اخترقت أذن ( أحمد ) يستعجلها ليعودا إلى البيت .. فعرف أنه زوجها !!

صاعقة حلت به و كادت أن تمزقه صرخة لو خرجت منه لتصدع المحل التجاري الكبير وتناثرت كل محتوياته لتطير وتغطي سماء القاهرة الصيفي الحار .

نزل السلم إلى الدور الأرضي يجر خيبة آماله وقد غطت عيناه غمامة سوداء حجبت عنه رؤية الشارع الرئيسي المكتظ بالمارة وهو يعيد اصطدامه بهم وما أفاق وعاد إلى واقعه فدلف إلى أحد المقاهي الكثيرة وجلس على طاولة بجوار شباك يطل على الشارع من ناحيتين فأخذ نفسا عميقا قبل أن يطلب كوبا من عصير المانجو.

الدقائق بطيئة.. ثقيلة.. مميتة مرت وهو يستعيد المشهد كأنه حلم ، و يحاول الخروج من الصدمة التي حالت بينه وبين أن يلتقي ( زهره ) أول حب حقيقي عرفه قلبه وعاش به أجمل سنين عمره وما محته الأيام العجاف والبعد في القرية النائية من بلاد المغرب ، ولا كل الأنشطة التي كان يقتل الوقت فيها ليحقق طموحاته وآماله.. شريط لا لون له مـَـرَ بخاطره وخـَلـَّف وراءه جسدا بلا روح ضاع منه آخر أمل كان بين أن يتحقق وبينه خطوة ... واحدة !! .

فرك عينيه ليتأكد أن الكرسي المقابل له خاليا، وأن ( سوراه) ليست هي التي تحتله، ولكن ظنه خاب حين ابتسمت له وعيناها تطفحان بمكر أنثوي ما رآها غيره وسط هذا الزحام وتلك الضجة التي تملأ الشارع الرئيسي وسط المدينة العملاقة.. فكاد أن يصرخ لولا أنه تمالك نفسه التي وسوست له شيئا.. لكنه رفضه !!

بادرته ساخرة،هل فشلت في أن تكلمها ؟؟

كنت أتابع لهفتك ولهاثك وأنت تقطع الشارع الرئيسي المزدحم كي تلتقيها ، واقتربت منها بنفس القدر الذي كنت أنت قريبا منها فيه، وللحقيقة فهي جميلة وتستحق منك كل هذا الجهد، ولكنني بعد أن وقعت في حبك وأنا صغيرة ذات ليلة شتائية هناك في القرية ونفحتك بلمستي السحرية التي كانت تسمو بك إلى أعلى درجات النشوة ، وتنقلت معك في البلاد عشر سنين تراني أحيانا دون أن تسألني كيف لي أن أظهر لك الآن في وضح النهار رغم معرفتك بأن الضوء يصهرني لذلك حان الوقت أن تعلم أنني الآن قد بلغت من العمر ما يمكنني فيه أن لا أخشى النور ولكن النار هي التي يمكنها أن تصهرني وتحولني إلى رماد، وكنت أختفي في بعض المرات وأنا أتبعك كالأسيرة ، وإنني لن أسمح لك بالاقتراب منها أو التحدث إليها بعد الآن وإلا لفحتها بنفحة جنية حارقة وقضيت على كل آمالك بأن تراها مرة أخرى، ولكنني سأسمح لك بأن تراها من على بـُعـد إن سنحت لك فرصة لقياها مرة أخرى وذلك حبا فيك دون أن تسعى أو تحلم بأكثر من هذا .!

ألجمته كلمات ( سوراه ) الحادة والتي شعر فيها صدق القول والنية بما تفوهت به.. فالتزم الصمت دون أن ينبس ببنت شفة.!! واختفت .

مازال يئن من وطأة الموقف حتى شك بأن كل ما حدث هو مجر أوهـام و خيالات ربما تكون مقدمة لحالة من الجنون..أو من تأثير ضربة شمس الصيف الحارة، مرددا في نفسه:هل يمكن للصدفة أن تصنع مثل هذه المواقف التي كدت أجزم أنها من المستحيلات، وخاصة في مدينة عظيمة يجوب شوارعها الكثيرة وأزقتها ملايين البشر؟!

وهل يمكن للصدفة أن تضع ( زهره ) أمامي وعلى بعد أمتار، بل وأقترب منها حتى كدت أشم رائحة عطرها الذي أميزه من بين كل أنواع العطور الفرنسية، ثم تتدخل نفس الصدفة لتَحــُوْل بين أن أربت على كتفها أو أحدثها بأن تمتد يدا لتطوق خصرها وتهمس لها بكلمات مزقت أحشائي !!

الشارع المكتظ بالمارة يضج بالحركة وأصوات المطربين والمطربات التي تنبعث من محلات التسجيلات الصوتية في خليط عجيب مع أبواق السيارات التي لا تتوقف وقد اجتمعت في ضجيج لا يمكن أن يكون إلا في القاهرة أو عاصمة عريقة بمثل مكانتها من عواصم العالم، فهذه الميزة قد تنفرد بها القاهرة عن غيرها من العواصم العربية ولكن ( أحمد ) الذي انهارت قواه في ركنه بالمقهى ما سمع شيئا من هذا ولا لفت انتباهه تلك السيدة التي أخذت مكانها على طاولة مجاورة له إلى أن بادرته هي بالتحية بوجهها المشرق والتي أطارت على ما تبقى في عقله من وعي ، فوثب من مكانه واقفا متلهفا أخذته صدمة أخرى فما قوي على رد التحية.

- أنا ( زهره ).. ألا تعرفني يا ( أحمد )؟؟!!

لا بد أن ( سوراه ) قد ضاعفت من حالة المس التي تصيبني قبل أن ترحل فجأة، أو أنها هي ( سوراه ) تريد أن تختبرني وقد تقمصت صورة ( زهره ).. هكذا ردد بينه وبين نفسه بينما زادت حالتهُ اضطرابا ووجعا حتى فقد السيطرة على جسده فوقع على الكرسي فاغرا فاهه بينما ( زهره ) تتقدم منه وهي تشكر الصدفة التي هيأت هذا اللقاء بعد طول سنين في هذا المكان .

شيء ما لفت نظره واستوقفه فيما ترى عيناه وزاد من شكوكه وهو أن ( زهره ) التي يراها الآن ليست تلك التي رآها في المحل التجاري الكبير، فملابسها تختلف، وتسريحة شعرها أيضا ولكن رائحة عطرها هي نفس الرائحة التي يعرفها منذ سنوات ....إذا هي ( سوراه ) تلعب معي لعبة النساء الماكرات،لا بل الجنيات الماكرات.. و سألها بتردد.. هــل ؟؟

- نعم .. أنا ( زهره ) يا أحمد.. لك الحق أن لا تصدق فإن صدفة مثل هذه لا يمكن أن تحدث في مدينة عظيمة إلا نادرا.!!

- لكنني.. أضاف.. رأيتك منذ دقائق في المحل التجاري هناك وهو يشير إليه بلباس آخر مختلف، وتسريحة شعر مختلفة، إلا أن وتمهل قليلا وهو يضيف لكن رائحة عطرك هي نفسها !! فكيف يكون هذا ؟

ربما أنني فعلا أعاني من ضربة الشمس الحارة.. فأرجوكي ألا تسخري مني يـــا... وكاد ينطق اسم ( سوراه ) لولا أن سبقه انفراج شفتيها عن ابتسامة ربما لأنه ذكر رائحة عطرها الذي بقيت تستخدمه طوال هذه السنين ذلك أن أول قارورة عطر فرنسية عرفتها في حياتها كانت هدية ( أحمد ) لها في عيد ميلادها فكانت ابتسامتها شفاءا لروحه التائهة بين هذه المواقف التي نالت منه وهي تضيف ربما التي رأيتها هي ( سامية ) أختي .. التوأم !!؟؟

فقد تركتها منذ ساعة تشتري بعض الأغراض لزوجها وأولادها وقد تواعدنا أن نلتقي هنا وسوف أعرفك عليها حين تأتي .

- رباه.. لقد كدت.. وسكت ما أكمل فقد شعر بالخجل وهو يطلب منها أن تشاركه الجلوس إن كان هذا ممكنا فقد أحس بروحه تعود إليه بعد أن كاد الوسواس يأخذ منه مأخذه، وأفسح لها المكان .. فجلست.

- مضت مدة طويلة على آخر لقاء لنا.. بادرته ( زهره ) بالحديث !

- نعم..أكثر من عشر سنين، لكنها الدهر بالنسبة لي، وكان صدى كلماتك لا يبرح مسامعي فقد تتردد في عقلي ووجداني (( بأنك مازالت في أول الطريق وأمامك صعاب كثيرة وثقيلة كونك فلسطينيا يعيش في الشتات وعليك أن تبحث عن مكان تستقر به للعمل ثم تنظيم أمر حياتك كما يفعل الآخرون )).. لقد كنت على حق وإني أحترم رؤيتك فأنا مازلت تائها وحائرا لا أجرؤ على اتخاذ خطوة أكبر لأتجاوز حالتي التي هي واحدة من آلاف الحالات بل الملايين الذين كتب عليهم هذا التشرد تتلقفهم بلاد الله الواسعة ، ولولا أننا نحن بقايا العماليق وأبناء الجبارين لاندثرنا وتوزعنا على أمم الأرض وتقاسمتنا خدما وعبيدا لها و

لأ صبحنا حكايات في كتب التاريخ إن سمحت الأمم القوية بذكرنا للأجيال تحت عنوان صغير شعب ساد، ثم باد..!!

ولكننا تحدينا القدر وتماسكنا وطرقنا سبل العلم والمعرفة والتفوق الذي فرضته كل هذه الظروف غير العادية ليبحث عنا كل من يحتاج لخبراتنا وعلومنا وقدرتنا وكما تعرفين فإن ما يمز شعبنا الصبر على المشقة أيضا، والأمانة في أداء الواجب على العمل الجاد في الوقت الذي كنا نبحث فيه عن مقومات بقائنا وثباتنا.

استدرك ( أحمد ) أنه ترك للسانه العنان كي يبوح ببعض ما يعتمل نفسه بعد أن استرد توازنه،و سألها عن حالها بعد أن تزوجت من ابن عمها .

نكَّـست رأسها لتخفي دمعة وهي تجيبه بأنها لم تتزوج من ابن عمها ، ذلك أن فترة خطوبتها استمرت عامين وأكثر وكان عليه أن يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية حيث قامت خلالها حرب العبور التي حققنا فيها النصر واستعدنا أرض سيناء... وتوقفت قليلا لتأخذ نفسا عميقا وهي تكمل بصوت خفيض .. بأنه استشهد في الحرب، وبقيت من بعده وحيدة يعتصر قلبي الألم على خطيبي وإبن عمي، وهي تضيف وكذلك حين لم أملك قراري من قبل حين دفـنت حبي لك تحت وطأ الظروف القاسية التي مازالت قائمة.!

انعقد لسان ( أحمد ) عن الرد وهو يستمع إلى حكايتها وآلامها وتحملها وجع السنين وتبدلاتها وحاول أن يخفف عنها بأنه موجود الآن ويمكنه أن يساعدها على الخروج من هذه الشرنقة التي تحيط بها وتنطلق إلى حياة أكثر بهجة وتفاؤل إلا انه توقف حين رمقته بنظرة إشفاق على حاله الذي لم يكن أسعد من حالها كما أخبرته فهو ربما يحتاج مساعدتها كي ينطلق إلى أحلامه وطموحاته التي محت معالمها آلام السنين في الشتات فقد لاحظت أنه ما تغير حاله كثيرا منذ افتراقهما قبل عشر سنين بعد أن تحدثا في أشياء كثيرة فوافقها وهو يبدي شعوره بحاجته إليها فالوقت بالعـُمر يمضي بينما هو وحيد تتنازعه أفكار غريبة أحيانا تصل إلى حد الكفر بكل المبادئ الوطنية التي تربى عليها جيله رغم أن المقاومة الفلسطينية أصبحت تثير انتباه العالم بعد الاعتراف بها كواقع جديد وهي تتمدد وتتشعب بعد النكسة برموزها الوطنية وقياداتها و ( زهره ) تستمع إليه بانتباه جعلها تتراجع عما قالته و رسخ في ذهنها من أنه لم يتغير خلال هذه السنوات العشر فانشرح صدرها مما سمعته منه ، وما عـَلــّقت !!

ما توقفت عيناه عن النظر هنا وهناك طوال هذا اللقاء المفاجئ ذلك ان كلمات ( سوراه ) مازالت تترد في مسمعه قبل أن تختفي فجأة وهي تقول له: ((والآن لن أسمح لك بالاقتراب منها أو التحدث إليها وإلا لفحتها بنفحة جنية حارقة وقضيت على كل آمالك بأن تراها مرة أخرى، ولكنني سأسمح لك بأن تراها من على بـُعـد إن سنحت لك فرصة لقياها مرة أخرى وذلك حبا فيك، ولكن دون أن تسعى أو تحلم بأكثر من هذا.!)) وشعر برغبة قويه بأن تنصرف ( زهره ) وفي نفس الوقت لا يريد لها أن تفارقه فوقع في حيرة مرة أخرى، وما أنقذه إلا أختها التي جاءت تستدعيها على عجل كي تلحقان بزوجها فاستودعته على أمل أن تراه مرة أخرى بعد أن أعطته رقم هاتفها كي يتصل بها في أي وقت وتركته على نفس الحال الذي عليه التقته،يتمتم بكلمات مبهمة ويحمد الله أن ( سوراه ) ما كانت هنا !!

***     ***     ***

في شقته الصغيرة بقي صامتا لا يشغله سوى استعادة كل تفاصيل اليوم منذ أن وطأت قدماه الشارع الرئيسي وسط القاهرة المزحمة في هذا الوقت من الصيف الحار وهو ينفث دخان سجائره واحدة تلو الأخرى ويده تتكئ على عوده ورفيق وحدته كأنه يـُشهده على كل التفاصيل ويـُشعره بسعادته التي غمرته حين رأى ( زهره ) ويستحثه على الطاعة لأنه يعرف تلك الحالة التي تتلبسه الآن فهو بصدد ميلاد لحن بدت ملامحه تتبلور في وجدانه ويلقيها إلى عقله كي يهذبها ويـُحـَسـِن تفاصيلها .

نشرة أخبار الخامسة تحمل الكثير من التفاصيل حول زيارة الرئيس محمد أنور السادات إلى القدس والغرض منها وأسبابها وانقسام الرأي العام بين مؤيد ومعارض ، ومن الطبيعي أن تكون النشرة مصاغة بشكل يخدم ويمجد هذه الخطوة الأكثر جرأة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وفي تحدي مشاعر الأمة العربية التي مازالت فخورة بانتصار الجيش المصري وعبوره القناة واستعادة أرض سيناء فكان من الطبيعي أن ( أحمد ) لم يرض عن هذه الزيارة كونه فلسطينيا ولد وعاش على المبادئ القومية العربية وشعار الوحدة من المحيط إلى الخليج والاستعداد لتحرير كامل الأرض وعودة شعبه كل إلى مدينته وقريته وحاول استيعاب هذه الخطوة إلا أن الرفض في داخله كان أقوى منه.

فلماذا يستشهد خطيب ( زهره ) وغيره من أبناء الوطن إذاً ؟؟ وتبقى وحيدة يعتصرها الألم، مادام الأمر في نهايته هذه الزيارة ؟

هل سيقنع الرأي العام العربي أن الزيارة جاءت بعد النصر ؟

وهل نتائج هذه الزيارة محسوبة بعد أن تناقلت بعض الصحف ووسائل الأعلام العربية والأجنبية أن معظم الدول العربية كانت على علم مسبق بها وتم التشاورعليها مع احتفاظها بخط الرجعة في انتظار ردة فعل الشارع العربي ؟!!

كل هذه الأسئلة تواردت إلى ذهن ( أحمد ) وهو يتحسس عـُـوده ورفيق وحدته ،وينتفض في ردة فعل بدأ معها شعور جديد يتولد في داخله.

أوتار عوده أنــَّت مع أول لمسة وأخذت تنزف لحنا تـَولـَّدت بداياته ذات يوم في القرية النائية من بلاد المغرب ،ولكن نشرة الأخبار التي مازالت تسهب في مبررات الزيارة وضعته في حيرة بين الضياع مرة و التفاؤل مرة أخرى ليبقي بينهما في صراع لا تلوح في الأفق القريب نتائجه فلابد من مـَخرَج والأيام كفيلة بتوفيره وهو يستنهض في نفسه قوة كادت أن تخمد نارها بينما إجازته تتآكل أيامها وما غادر شقته عدة أيام وإنما عكف على استكمال تأليف اللحن الذي أرهقه وجدد الأمل في نفسه ليحقق طموحاته التي كادت حياة القرية النائية أن تدفنها تحت رماد الأيام وتبقيها في سكون أبدي.

طرقات على الباب.. والوقت مساء..( زهره ) بشحمها ولحمها،وقبل أن يفيق من وقع المفاجأة بادرته بأنها تحمل إليه خبرا ربما يثير اهتمامه وما خطر ببالها أنه يقيم في نفس الشقة التي زارته فيها مع بعض زملاء الدراسة في المعهد ذات يوم كان فيها مريضا،وهي تضيف بأنها كانت محاولة منها للوصول إليه بعد افتراقهما في المقهى دون أن تأخذ رقم هاتفه أو عنوانه.. و (أحمد ) لا يصدق عيناه..أن ( زهره) بالباب.. وللمرة الثانية يراها وجها لوجه ويحادثها.!!

- تفضلي فأنا وحدي.. بتردد قالها ،فلابد أن الأمر هام كي تبحثي عني وتحضري إلى هنا فانتظريني قليلا كي نخرج إلى مكان عام لنتحدث فللجيران عيون وشكوك جارحة .!!

دلفت إلى الداخل غير مكترثة بما قال فهي تحمل له خبرا ويجب أن يتجاوب معه بكل ما يستطيع هكذا أصرت وما استطاع (حمد ) أن يمنعها فجلست على الأريكة وجاءت منها التفاتة إلى العود بجوارها فمدت يدها ومرت عليه برقة وحنان عاشقة تسلم عليه فهي تعرفه وكيف لا ؟! إنه أول عود اشتراه ( أحمد ) من مصروفه الشهري خلال أعوام الدراسة في المعهد، وكم من مرة

أسمعها ألحانه التي لامست مشاعرها وأوتار قلبها.. فهذا العود صديق قديم وحميم وشاهد على مشاعرها التي أخفتها وبينما (أحمد ) يبدل ملابسه كانت ( زهره ) تحضن العود وتقبله ومشت بأصابعها على أوتاره فسمعت منها شكوى وجع السنين وآلام الغربة .

قبل أن يطلب منها ( أحمد ) مرافقته إلى الخارج قالت له: في هذه الجريدة خبر ربما يهمك بل يجب أن تهتم به فدار الأوبرا تعلن عن مسابقة موسيقية بمناسبة زيارة الرئيس إلى القدس، وأضافت .. إنني أعرف مشاعرك نحو هذا الحدث،ولكنه أصبح واقعا ولا يمكن الرجوع عنه إلى الوراء ويجب التعامل معه مهما حاولنا إنكاره، ولذلك فأنا أصر على أن تشارك بلحن يتناسب مع الحدث، ومع مشاعرك الرافضة كما هي مشاعر الملايين من أبناء الأمة العربية.

قـَـلــَّبَ الجريدة بين يديه وهو يقرأ شروط المسابقة و كلام ( زهره ) يتردد ويتسلل إلى قلبه فشعر بتحد كبير وأن عليه أن يفعل ليس فقط لأنها فرصة يـُفرغ فيها ما وقع في نفسه من صدى لهذا الحدث بل وأيضا من أجل عيون

 ( زهره ).

جلس بجوارها على الأريكة والتفت إلى عـُودهِ الذي استكان في حضن ( زهرة ) فالتقطه وأسمعها جزءا من القطعة الموسيقية التي بدأت ملامحها تتضح في اليومين السابقين فارتسمت على شفتيها ابتسامة الرضى وفرحت فرحا كبيرا لأنه أبدى موافقته دون نقاش وكأنه كان ينتظر مثل هذه الفرصة ومن يشجعه على استكمالها وتركته ( زهره ) بعد أن وعدته بزيارة قريبة ليُسمعها  القطعة الموسيقية في شكلها النهائي .

تفـَرغ كليا فيما تبقى من أيام إجازته الصيفية لاستكمال اللحن وقد أرهقته التغييرات في كتابة النوتة لتكون القطعة الموسيقية منسجمة مع حالة الرفض التي عمت البلاد العربية بسبب هذه الخطوة الجريئة التي قيل عنها أنها ستكسر الحاجز النفسي بين الأمة العربية ودولة الاحتلال مع تصور وتفاؤل من أنصار الزيارة بأن السلام سيعم المنطقة لتنعم بالرخاء المأمول فهذه ركائز هامة اعتمد عليها ( أحمد ) في أساسيات اللحن القادم .

ما كانت ( سوراه ) بعيدة عن كل هذا، بل كانت ترقب وتستمع و.. تنتظر !

بينما ( أحمد ) ما تذكرها ولا تذكر تهديدها ووعيدها طوال المدة التي كانت ( زهره ) معه إلا بعد أن عكف على استكمال تأليف القطعة الموسيقية فقد مرت بخاطره وافتقدها دون رغبة في رؤيتها هذه المرة فحمد الله أنها لم تقطع عليه لقائه الذي تفاجأ به.. وأسعده .

في منتصف الليل الصيفي الساحر في القاهرة حيث لا حركة في شوارعها الفرعية ، كان يتسلل إلى مسامعه صوت أم كلثوم ينبعث من راديو محل الخضار في البناية المجاورة " هل رأى الحب سكارى مثلنا..." والتي عشق فيها كلمات إبراهيم ناجي وقد ألبسها رياض السنباطي موسيقاه الرائعة.

أرخى ( أحمد ) السمع جيدا وكأنه يسمعها لأول مرة وهو يـُسـِر إلى نفسه: نعم..هل رأى الحب سكارى مثلنا !؟

وهل تعني زيارة ( زهره ) بعد كل هذا أنها مازالت تحمل لي نفس الحب الذي حفظته بين ضلوعي كل هذه السنين ،ولكنه تراجع عن هذا الهاجس حتى لا يفسد ما تبقى من الود على أمل أن تأتي الفرصة المناسبة لتجديده.

و هل ما حدث في الوضع السياسي كان تحت تأثير حالة سكر و تيه وضياع كي نتنازل عن قيمنا ومبادئنا الوطنية ونسعى إلى صلح لا يمكن أن يكون في صالحنا أبدا..هكذا تملكته الحيرة وهو يقبض على عوده وصوت أم كلثوم يشدو بالأطلال فشعر برغبة لو أنه ما سمعها في هذا الوقت بالذات.!

نظر إلى النوتة الموسيقية التي كتبها وقد كثرت صفحاتها وما أن أخذ يقلبها حتى صرخ من هول ما رأى.. صفحاتها بيضاء ناصعة لاشيء فيها ،أخذ يبحث هنا،وهناك كالمجنون فقد كانت بين يديه منذ برهة وهو يـُسـمِع ( زهرة ) الجزء الذي لحنه و كل شيء اقترب من النهاية وما تبقى من القطعة الموسيقية إلا بعض اللمسات ومراجعتها الأخيرة !!؟؟.. ما توقف إلا بعد أن رأى (سوراه ) وقد مدت يدها بالنوتة الموسيقية بكل تفاصيلها ، وهي تخبره بأنها كانت بجانبه طوال الأيام الماضية وهو يجهز القطعة الموسيقية وبحضور ( زهره ) وأنها تنازلت عن تهديها له راضية من أجل أن يفوز في المسابقة الموسيقية وهي تضيف أنها ما تنازلت عن عشقها له، بينما ( أحمد ) في ذهول وحيرة إذ لا يقدر على الفكاك من ( سوراه )..أو أنه لا يريد الفكاك منها .!! فأصبح بين نارين،أولها نار حب قديم ما خمدت بل بقيت جذوتها تحت رماد الأيام ، وثانيها عـِشقٌ لجـِنيـَّة لا يعرف نهايته ولا كيف يتخلص منه، وما نفع معه لحم فخذ الذئب .!

قبل أن تختفي قالت له( سوراه ): سأغيب عنك مدة طويلة ولربما ألقاك هناك في القرية ذات ليلة ولكنني سأتفقد وجودك أينما كنت بين الفينة والأخرى دون أن تراني أو أعلمك بوجودي فكن على يقين أنني لن أتخلى عنك حتى لو ألقيتني في النار التي أخشاها ولربما توسوس لك نفسك أن تتخلص مني فأنا أيضا أريد الفكاك من سطوة حبك ولا أدري كيف الفكاك منه .!؟

***     ***     ***

ثلاثة أيام مضت وما حضرت ( زهره ) فما بقي على المشاركة في المسابقة سوى يومين فوجودها يمنح ( أحمد ) التفاؤل ويبعث في روحه حياة وتجديد هو في أمس الحاجة لها اليوم وغدا وباقي الأيام..هكذا وجد نفسه يقطع الوقت بين قرأة النوتة للمرة الألف على أوتار عوده وصديق رحلته وبين تسجيلها على شريط (كاسيت) كي تستمع إليه اللجنة حسب شروط المسابقة.

ستحضر فقد وعدتني.. ولا أظنها تتخلى عني بعد كل ما فعلت من أجلي وتشجيعي، فإن لم تحضر فلن أتقدم للمسابقة وليحدث ما يحدث المهم أنني أكملت اللحن الذي بدأته بالشكل الذي يرضيني . وهو يهذي بينه وبين نفسه القلقة وما توقف عن المراوحة بين صالة الشقة وبين البلكونة المطلة على الشارع و النار في قلبه يستطلع قدوم ( زهره ).

وسواس غريب أخذ من تفكيره حيزا كبيرا ولكنه رفضه بإصرار وأقسم لو أنه حدث ليصعقن ( سوراه ) بنار لا تبقي منها رمـاداً..هل يمكن لـــ (سوراه ) أن تفعل شيئا في ( زهره ) ؟؟ لقد قالت لي قبل أن تختفي أنها كانت على علم بكل ما دار بيننا وتغاضت عنه حبا لي وحتى انتهي من اكمال القطعة الموسيقية، ولكنني لا آمن مكر النساء فكيف إن كانت المرأة جـِنيـَّة لا يمكن التكهن بما قد تفعله ؟! هذا ما وسوست به نفسه، وأقره ( أحمد ).

كان باب شقته مفتوحا ليسمح بحركة تيار من الهواء بينه وبين باب البلكونة في هذا اليوم الصيفي الحار فوق المعتاد حين سمع طرقات خفيفة على الباب وصوت ( زهره ) يتسرب منه خفيضا، فقفز للترحيب بها فما أمهلته بل طلبت منه أن يسمعها قطعته الموسيقية في شكلها النهائي.. فبدأ بالعزف وهي تتمايل برأسها وتنصت بكل حواسها إلى أن أقفل اللحن فهبت من مكانها وكادت تلقي بنفسها في حضنه وتضمه لولا أن حياءها حال بينها وبين أن تفعل وهي تثني عليه وتكبر، بينما (أحمد ) لا يصدق ما يرى وكاد ينطق بكلمات حبسها سنوات إلا أنه تريث وأمسك عن ذلك حتى يحقق أمنيته بالفوز في المسابقة الموسيقية وهو يتأمل احمرار وجنتيها وخجلها الذي طفح به وجهها فبدت كالبدر وسط النهار الصيفي الحار فاستجمع مشاعره الجميلة وهو يحمل النوتة وشريط التسجيل وتوجها إلى دار الأوبرا.

القلق استبد بــ (أحمد ) بعد أن سلم القطعة الموسيقية وقد شعرت بهذا ( زهره ) التي لازمته وهي سعيدة تبعث في روحه الأمل وذكرته بأحاديثه الكثيرة عن الطموح والنجاح أيام الدراسة في المعهد وكيف أنه كان متميزا بين الجميع وبشهادة الأساتذة من كبار الملحنين، و هي تضيف بأن عليه ألا يستسلم ولا يتنازل عن شيء من هذا الطموح خاصة أنها لاحظت تغيرا ملحوظا في اهتماماته وخاصة السياسية التي ما كان يتحدث فيها من قبل، ولربما التجربة التي مررت بها طوال السنوات العشر الماضية كانت تكفي لتصنع منك شخصا جديدا وهذا هو الوقت المناسب كي تحقق ذاتك الفنية..أردفت

كلماتها أسعدته كما كانت دائما تسعده، فوافقها على كل ما قالت وهو يطلب موافقتها على مصاحبته إلى مكان ما خطر في باله .. و يريد ان يفاجئها بالذهاب إليه!! حاولت أن تخمن إلا أن ظنها لم يتحقق حتى وصلا إلى مطعم صغير في شارع فرعي ضيق كان طلاب المعهد يترددون عليه مثلهما فهو يقدم وجبات شهية، و رخيصة فبدت سعيدة وفرحة وهما يدخلان المطعم ويسلمان على صاحبته المعلمة ( بلوظة ) التي ألقى عليها الزمن بعضا من الجمال والأنوثة فقامت من مكانها وقد ازداد وزنها وبانت تضاريس جسدها من جلابيتها الضيقة ذات الفتحتين الطويلتين على الجانبين لتكشفان عن بعض من ساقيها لتزداد فتنة على طريقة بنت البلد المصرية و تقدمت من

( زهره ) و قبلتها بحب وسألتها عن حالها ومدت يدها تسلم على ( أحمد ) وهي تضيف قائلة: كنت على يقين أن قصة الحب بينكما سوف تتكلل بالزواج، ولكنكما لم تظهرا منذ سنوات بينما التقت عيون (زهره ) بعيون (أحمد ).. في صمت وأخذا مكانهما على الطاولة وسط ترحيب المعلمه (بلوظه) .!!

- سألها ( أحمد ) عن المعلم ( عطيه ) صاحب المطعم ؟

- سألته أن يدعو له بالشفاء فهو مريض منذ سنوات ولا يقوى على الحضور إلى المطعم وهي تحضر لهما بعض المقبلات التي يعرفان مذاقها .

في ركن من المطعم الصغير في الشارع الضيق كان شابا يتناول طعامه بنهم وكأنه على عجل، لكنه أثار فضول

( أحمد ) فقد ظن أنه يعرفه و لا يتذكر إسمه فبقي مترددا من الذهاب إليه ليقدم نفسه له إلى أن رآه يهم بالخروج من المطعم فاستوقفه ليسأله : هل حضرتك الأستاذ (هشام )؟..هشام إبن أبو خليل؟

- نعم..أنا ( هشام ) باستغراب أجابه..!!

- أنا ( أحمد ) جاركم في غزة..إبن أبو عمر..هل تذكرني ؟

- مد يده يصافحه ومرحبا به..نعم أذكرك..إنها فرصة سعيدة أن ألتقيك بعد هذه السنوات ورحب به ( أحمد ) أن ينضم إليهما وعـَرفه بــ ( زهره ) على أنها فنانة وزميلة مما غير وجه ( زهره ) للحظة ولكنها ابتسمت مرحبة بــ

 ( هشام ) .

- في الواقع أنا هنا في زيارة للقاهرة لعدة أيام وسأعود إلى غزة بواسطة الهلال الأحمر حيث يسمحون لنا بالزيارة كما تعرف للعلاج أو للدراسة في رحلات شهرية أو أسبوعية أحيانا فإن كنت ترغب بإرسال أي شيء للأهل هناك فهذا رقم تلفوني في الفندق الذي أنزل فيها..أنهى ( هشام ) حديثه وغادر المطعم على عجل لأنه على موعد مع أحد الأصدقاء كما أخبر ( أحمد ) .

إنها فرصة كي تتواصل مع الأهل في غزة.. قالت ( زهره ) وهي تتأمل وجه ( أحمد ) الذي تغيرت ملامحه بعد لقائه مع إبن الجيران وسألته إن كان يرغب في الاتصال به ليوصل رسالة أو هدية لوالديه واستطردت هل مازالا على قيد الحياة وهي تعتذر عن سؤالها ؟!

- نعم فوالدتي مازالت هناك،أما والدي فقد توفاه الله في العام الماضي حيث عرفت ذلك بعد عدة أشهر من وفاته.. تصوري كيف يكون حال الفلسطيني وهو بعيد عن أهله وخارج وطنه بينما أهله يتساقطون واحدا تلو الآخر بين موت طبيعي وبين استشهاد؟ هل هناك شعب على وجه الأرض يتحمل مثل هذا الحال لأعوام لا يعرف لها نهاية وفي نفس الوقت يعيش على أمل في الثورة التي أتت زيارة الرئيس لتقضي على ملامحها أو تحجيم دورها رغم الرفض القوي لها من قبل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية على الأقل فأمر الزعماء غير واضح حتى الآن لأن مصلحتهم تقتضي الظهور بمظهر الرافض،أما ما يحدث في الخفاء فليس لنا عليه سلطان، ولربما " الجن " هم الذين يعرفون ما يدور بين القيادات في مجالسهم الخاصة.!!

" الجن ".. نعم !! ولكن أين أنت يا ( سوراه ) ؟؟ هتف بها وهو يكتم سؤاله الذي أثار انتباه ( زهره ) وقد رفعت حاجبيها من غريب ما سمعت.!!

( سوراه ) هل يمكنها أن تساعدني ؟؟..أســَـرَ في نفسه سؤالا تمنى أن يتحقق فلن يكون هناك أي مشكلة كي يزور أمه.. هكذا شطحت به خيالاته واتسعت أمنياته ،ولكن أين هي الآن وكيف لي أن أستحضرها وقد أخبرتني أنها ستغيب غيبة طويلة ؟

هطلت عليه موجة من الأسئلة كان يجد لبعضها جوابا يـُرضى نفسه المرهقة بينما يجد استحالة كلما قـَلـَّبَ الأمر على أكثر من وجه.. ولكن سأحاول هكذا قرر .

كانت ( زهره ) لا تزال تتأمل قسمات وجهه التي كانت تتلون وتتبدل مع كل هاجس وفكرة جالت في خاطره وهي تجلس قبالته على الطاولة تتناول طعامها ببطء شديد كما لو أنها فقدت شهيتها .

انتبه ( أحمد ) إلى أنه غرد بعيدا جدا حين وجد ( زهره ) أمامه تتأمله فانفرجت شفتاه عن ابتسامة وكاد يلقي عليها سؤالا ينتظر الجواب منذ سنين طويلة لكن شبح ( سوراه ) يلاحقه ويتبعه دون أن يراها ويخشى ما لا تحمد عـُقباه إن هو طلب الزواج من (زهره ) التي يحبها وبدأ يقاوم صراعا في داخله تجدد كلما فكر أن يتقدم للزواج منها والأيام تمضي رغم التلويح من بعيد ببارقة أمل ناقصة المعاني حيث لا تزال ردود فعل الزيارة للقدس تتباين وتتعارض، والأمر الآخر كبير فهو صراع بين "الجن " و الإنس" بين ( سوراه ) وبينه !!

***     ***     ***

- ما عدت قادرا على التحمل أكثر.. قالها وقد صوب نظراته الحادة إلى عيون ( زهره ) ليطل من عينيها حيرة تتحسس بها معنى ما يقول ويزداد يقينها بأنه يريد أن يبعث الروح في حب ما خمدت جذوته وبدأ الرماد يتطاير عنه منذ لحظة لقائهما في المقهى وسط المدينة العملاقة التي اكتظت بآلاف البشر منذ بضعة أيام .

- أريد أن أتزوجك ؟ هل توافقين ؟ الآن أريد أن أعرف فما عاد في الوقت متسع فأنا بعد أيام قليلة سأعود إلى مكان عملي .!

- يجب ترتيب الأمر مع والدي فلا أريد أن يتكرر ما حصل قبل عشر سنوات .. فعرف أنها موافقة !

في الوقت الذي كان يفكر بالاتصال مع ابن الجيران ( هشام ) تمنى أن تظهر له ( سوراه ) فرآها أمامه ماثلة كما لو كانت تنتظر أن تخطر بباله فاستقبلها بشكل جعلها تسأله مباشرة عما يريد منها فارتسمت على وجهه علامات الدهشة وهو يحاول أن يبدو طبيعيا ولكنه استدرك أن " الجن "ربما لهم قدرة على استقراء مشاعر البشر رغم أنها ما باحت له بشيء كهذا من قبل طوال هذه السنين.. فسألها ما الذي يجعلها تظن ذلك ؟ وهو يرد على نفسه بأن قدرتها على الاختفاء تجعلها قادرة على التواجد أينما وكيفما أرادت ويتيح لها أن تسمع وترى كل ما يتوفر لها دون أن يراها هو أيضا فهذا أمر لا طاقة له عليه وإنما بالقدر الذي تسمح به ( سوراه ) فقط ، وهذا سر من أسرار الجن سعى لفك طلاسمه ففشل.!

وقبل أن تجيبه مر في خاطره (الشيخ شحادة) صاحب الزاوية الصغيرة في آخر الحارة حيث كان يلتقي فيها بعض الدراويش وأصحاب الطرق الصوفية إذ ذاعت شهرته بأنه قادر على إخراج الجن من البشر الذين بهم مس و يتلبسهم جني غالبا ما يكون شريرا، إذ أن ( أحمد ) كان يتلصص من ثقب بباب زاوية ( الشيخ شحادة ) حين جاءته امرأة شابة من البادية برفقة إمرأة عجوز همست للشيخ ( شحاده ) بكلمات عرف منها أن الشابة بها مس من جن فأخذ يجهز أدواته بعد أن أغلق باب الزاوية ثم أمرها أن تتمدد على الأرض بعد ان طلب من العجوز أن لا تنظر إليه بل تبقى وجهها إلى حائط الزاوية مهما سمعت أو تهيئ لها شيء ثم كشف عن نصف جسد الشابة العلوي ملابسها فبدى بلون نبيذ معتق في حمرته،طفحت له عيون ( الشيخ شحاده ) رغبة خبيثة وقد قبض على ثدييها بتلك يديه دون أن تبعده وقد سرت في جسدها الممد برودة حدت من نار المس الذي بها وأشعل البخور الذي ملأ دخانه الزاوية و يد ( الشيخ شحادة ) تمر على الجسد الممد بعد أن وضع قليلا من زيت الزيتون و دهن العود ومسحوق ناعم أصفر اللون كأنه الزعفران في كفه وهو يتمتم بكلمات ما فهم معانيها بينما ( الشيخ شحاده ) يهوي على جسدها النصف عار بعصى من الخيزران بقوة وهي تصرخ أو تهذي حتى خيل إلى ( أحمد ) على صغر سنه أنها فقدت الوعي تحت وطأة الضربات وآلامها وتصبب منها عرقا غزيرا بلل ثوبها والعجوز لا تحرك ساكنا وكأنها على خبرة بما سيحدث و كذلك تنفيذا لأوامر ( الشيخ شحاده ) بينما ( أحمد ) ينظر من ثقب في الباب وقد تسمر مكانه من هول ما رأى .

تذكر هذه المشاهد فصورت له نفسه أن بإمكانه أن يقوى على ( سوراه ) ويطوعها لأمره فقد اكتسب خبرة قليلة في التعامل معها وظن أنها لن تسبب له أذى أبدا فهي تعشقه و تستسلم بين يديه وتصبح مسلوبة الإرادة حين يلبي لها رغباتها ويروي شبقها الحاد ويصب فيها ماؤه فتنتابها برودة وقشعريرة تطفئ روحها الملتهبة كما كان يحدث معه منذ سنوات فإن امتنع عنها مرة لربما تستجيب لأوامره ولا تتمرد عليه.. وقرر أن يجرب ذلك معها.

ما خاب ظنه .. فقد نجحت المحاولة الأولى بشكل أسرع مما توقع وطلب منها أن تساعده على تنفيذ فكرة جنونية بل جـِنية أيضا إذ لا يمكن لأحد مثله أن يفكر بمثل هذه الطريقة في هذا الزمن فقد طلب منها أن تتدبر له طريقة من طرق "الجن" التي لا يعرفها ولكنه يعتقد بها وسمع في القصص عن الخوارق التي يقومون بها وأن تجتاز به الحدود إلى فلسطين رغم يقينه كبشر من عدم تحقيق ذلك فقد استبد به شعور ورغبة قوية في رؤية أمه التي ما رآها منذ سنوات بعيده وأبدى استعداده أن يتحول إلى مسوخ بين يديها أو أن تستخدم حيلة من حيل الجن.

كانت ( سوراه ) تنصت بغرابة واستهجان لمثل هذا الطلب ولكنها أخذته على محمل الجد ،فهي تعرف أن جسده الآدمي لا يمكن أن يتحمل حالة المسخ التي يقتضيها تحقيق مثل هذا الأمر الخارق لحالة البشر الطبيعية ولكنها استمهلته حتى الغد.!

مر الليل بطيئا وطويلا ، وحارا إلا من بعض نسيمات باردة لامست جسده العاري مع بشائر الفجر بينما ( أحمد ) تتلاقفه هواجسه وصورها الكثيرة بتفاؤل أحيانا وأخرى مُحبـِطة، في انتظار عودتها فهو لا يعرف كيف لها أن تتدبر الأمر فهذا درب من خيال ويستحيل تحقيقه ولا يقبله عقل بشر،وبدأ يشك في نفسه المتعبة وقدراته العقلية التي تجاوزت كل تصور .

- كيف خطر لي أن أسألها شيئا كهذا ؟ لا شك أن عقلي قد أصابه مس..بل أنا جننت فعلا ، واخذ يهذي حتى غط في نوم عميق .

عند الضحى..أفاق على صوت ساعي البريد يقرع جرس الشقة ليسلمه رسالة دعوة من دار الأوبرا بضرورة الحضور لمشاركة لجنة الإشراف على المسابقة في الاستماع إلى مقطوعته الموسيقية حيث أنه فاز بالمركز الأول على أن يكون ذلك بعد يومين من تاريخه .. توقف ( احمد ) عن قراءة الرسالة وصاح إنه اليوم الذي قبل يوم سفري وانتهاء إجازتي الصيفية،إنه وقت ضيق جدا،ولكنه استعاد هدوء نفسه وهيئها لمرحلة جديدة من العمل وبدأ يفكر كيف سيتولى قيادة الفرقة الموسيقية التي ستعزف اللحن أمام لجنة التقييم، فبدى كل شيء سهل منذ قرر التحدي و المشاركة من أجل عيون ( زهره ) والوطن .

في الليل وهو يحسب الساعات على الذهاب إلى دار الأوبرا وإعداد نفسه للمرحلة القادمة كانت ( سوراه ) تتجسد أمامه بوجه لا ملامح فيه مما أخافه وروعه، وقبل أن يسألها بادرته بأنها قد استشارت "عفريت" من الجن الأقوياء الذين لهم قدرات خارقة في الأمر فامتنع " العفريت" لأنه يتعلق بتلك الأرض المقدسة التي أكلت دابة الأرض فيها منسأة نبي الله"سليمان" حيث لا قــُدرة لأحد من "الجن" من أمثاله على تجاوز حدود رُسمت له منذ ذلك التاريخ إذ أن هناك " جن " من فصيل أقوى وأعتى لا قدرة لنا نحن على مقاومتهم ولهم خصائص توارثوها عن اولئك الذين كانوا يأتمرون ويعملون في بناء الحائط العظيم وعليه فإنني أعلن فشلي في مهمتي قالتها بانكسار ما عهده في روحها المرحة والجادة وكانت هذه هي المرة الأولى التي رأى فيها ( سوراه ) تبكي بدمع غير الدمع الذي نعرفه فقد كانت الدمعات تحفر أخاديد عميقة في وجنتيها الورديتين وقد تحولتا إلى قطعتين من نحاس ساخن وكأنهما أرض حل بها الجفاف فتشققت عطشا لماء يرويها ويرد إليها الحياة ورغم جزعه وخوفه إلا أنه أشفق عليها من هول ما رأت عيناه من حزن نزل بها وشعر بأنه قد أرهقها بسؤاله ولام نفسه مرة أخرى وهو يرجوها أن تنسى الأمر برمته.

لكن صوتها المخنوق أزاح عن كاهله حملا كبيرا، وصدمته كلماتها وهي تضيف أنني لن أراك مرة أخرى بعد الآن،وأنك حــُـرٌ في قرارالزواج من ( زهره ) ولن أمسها بسوء كما هددتك وتوعدتك من قبل فقد سمعت كل ما دار بينكما وكدت أن أقدم على أمر مرعب ولكنني خشيت عليك من أن يصيبك أذى يقضي على حياتك.

والدمع مازال يحفر أخاديد أوسع في وجنتيها استطردت قائلة:أن هناك سببا آخر أقوى أخفيته عنك ولايمكنني التهرب منه هو أنني منذ تركتك بالأمس فقد سلمت نفسي لذاك " العفريت" القوي الذي راودني عن نفسي واستشعر ضعفي وإصراري على ما طلبته منه حين طلبت منه أن يجتاز الأرض ويعيدك بعد تحويلك إلى مسخ ومنحته مراده من أجلك يــا ( أحمد ) ،ولكنه ما أفصح لي عن عدم قدرته إلا بعد أن حقق مطمعه وسأبقى تحت سلطانه إلى الأبد ولن أتمكن من زيارتك أو رؤيتك بعد الآن.. فسامحني.. فقد أحببتك لأنك منحتني حبا لا نعرفه في عالمنا..عالم " الجن "... واختفت ( سوراه ) في لمح البصر.!!

 

( الفصل الثالث)

 

في الوقت المحدد كان في دار الأوبرا.. رهبة تملكته وبقيت تلازمه حتى اعتلى خشبة المسرح بثبات ليقود الفرقة الموسيقية بعد أن تقبل تهاني لجنة التحكيم الفاتر على فوزه فاستيقظت في نفسه تلك الوساوس التي داخلته وأخافته بعض الشيء لولا أنه أصبح في وسط الحدث ولا يمكن التراجع وحان وقت التحدي.

( زهرة ) وقد تملكها شعور بخوف وترقب أخذت مكانها في الصف الأول بين الجمهور القليل والنقاد الذين حضروا هذه الحفلة الخاصة جدا للاستماع إلى المقطوعة الفائزة في المسابقة ذات الأهمية لحدث هو الأكبر في تاريخ المنطقة العربية والصراع مع دولة الاحتلال .. والوسواس مازال يتملك ( أحمد ) ويفسد عليه لحظة التحدي والتجلي التي انتظرها سنين فتجاهله ووقف كالعملاق يلوح بعصاه أعلى وأسفل وفي كل اتجاه يتبعه العازفون على الآلات الموسيقية ارتفاعا وانخفاضا وانسيابا حينا وهديراً حياناً أخرى ، و انكساراً مهينا في أكثر الأحيان ثم ما يلبث أن ينهض بالآلات من انكسارها ويسمو باللحن عاليا حتى يلامس كبد السماء وسط صمت الجمهور القليل الذي أخذه اللحن العظيم إلى ماضٍ مجيد واستنهض فيه تلك الملاحم العربية وانتصاراتها وانتشار علومها وفضلها على الإنسانية في شرق الأرض ومغاربها و مهدت لتقدمها وسيطرتها على العالم.

صفق الحضور طويلا مع كل وقفة ولازمة موسيقية كما تصورها " صاحب العود " الحزين وتطابقت مع واقع الحال الجديد، وكلما مال بعصاه قليلاً ترددت نغامات اللحن و انسابت ببطء في الأرض مشتاقة فيرويها ويسد تشققاتها بينما عرائس النيل ترقص فرحا مبتهجة راضية وكأنها تساق قربانا إلى " رع " في عيد النيروز.. و ( أحمد ) راح مع الملايين نحو المجهول قرباناً لنزوة ربما ..أو أملاً في حياة جديدة.. ربما !!

انقسمت عناوين الصحافة الرئيسية صباح اليوم التالي بين مُدافع ٍ عن الفنان الذي اخترق "الميدان" بمقطوعة وقرت في نفوس الرافضين معبرة عن الصدمة التي صفعت أجيال كان لها طموحاتها وآمالها فأخذهم ( أحمد ) عبر التاريخ في سياحة إلى مواطن العزة والفخار وألقاها لحنا عظيما على مسامعهم ...!!

أما الذين هاجموا الشاب القادم من الشتات إلى الشتات الجديد فقد دقوا طبول القطيعة وبدأوا يوجهون الجماهير عكس التيار لمآرب خاصة فهذه فرصة قد سنحت تحمل في ظاهرها الرخاء بينما في باطنها بركان كبير ثار وتمرد على القيم الكثيرة والتراث العريق فهيأت لهم ظنونهم أنها فرصتهم كي ينقضوا على كل مجد حققته الأمة.

كانت ( زهرة ) أكثر معاناة من ( أحمد ) بعد أن قرأت الصحف وذلك خوفاً عليه من الانهيار والكفر بالقيم التي استمد منها موسيقاه فبقيت على حالها دون أن تعرف ردة فعله والكيفية التي سيتصرف بها...هل سيبقى مثابراً ومقاوماً كل هذه الإرهاصات؟؟ أم سيستسلم ويخضع لابتزاز تلك الأبواق الصفراء التي تريد النيل منه وتتهمه بالرفض العلني للزيارة هكذا أخذتها الأفكار وتصورت الموقف مبهماً لا تقوى على استحضار بارقة تفاؤل فيه وسط هذا الخلط للأوراق التي صنعت جفوة بين الأشقاء قد تطول ..!!

كان هذا هو اليوم الأخير من إجازة ( أحمد ) وعليه الاستعداد للسفر في نفس الليلة .. حتى فاجأها بأنه لن يسافر وسيبقى هنا لاستكمال رسالته التي بدأت بالأمس مع فوزه بالمسابقة وتحدياً لتلك الأبواق الناعقة في وادي الذئاب لا تسمع إلا صدى نباحها .

- سأسعى للحصول على مكان لي بين الموسيقيين الذين تربطني بهم صداقات قديمة فقد كانت مصر دائما بيتاً لكل أحرار العالم العربي ، وباب أفريقيا الذي فتح على مصراعيه منذ انطلاقة الثورة ، وإن صدت في وجهي الأبواب فهناك مكان بابه مشرعاً، وأعرفه جيدا ..!!

أخذتها الدهشة مما سمعت وشعور بخوف دب في وجدانها من المجهول والقرار المفاجئ الذي اتخذه ( أحمد ) وتساءلت عن ذاك الباب المشرع والذي يعرفه جيداً.. أين يكون ؟!

وما طمأنها إلا أنها تعرف مشاعر أبناء بلدها ووقوفهم بجانب القضية الفلسطينية منذ ما قبل حصار (الفالوجة ) وعودة الضباط الأحرار بمشاعر الذل والمهانة التي لحقت بهم وهم محاصرون بعد أن اكتشفوا أنهم يحاربون بأسلحة فاسدة ، فكانت الثورة التي غيرت وجه البلاد والمنطقة بل والقارة الأفريقية خاصة، وأصبحت مصر كما هي عبر التاريخ تنمو وتكبر بجهد رجال عظام ..

هكذا راحت ( زهرة ) تعيد الصورة إلى شكلها الطبيعي ، وترفض في داخلها أي شعور يريد أن ينقض عليه ليفسد لحظة فرح انتظرتها منذ سنين طويلة وقد تنتظر مثلها حباً في ( أحمد ) وقضيته التي هي قضية الأمة كلها فعبرت له عن سعادتها بهذا الخبر وهي تضيف أنها ستبقى بجانبه إلى النهاية فالأمر من الآن أصبح يخصها أيضا ولا بد من تحقيق النجاح مهما كانت الصعاب .

كلمات ( زهرة ) نزلت في نفسه منزلة الرضى والترحاب فقد جاءت في الوقت الذي يحتاج فيه من يعاضده ويشد أزره وما شك يوماً بأنها ستكون بجانبه دون أن تنتظر منه خطوة نحو ما يسكن قلبيهما الناضجين حتى أصبح الحب كالهرم يستقر في قلبيهما دون حاجة إلى تفاصيله الصغيرة فكل الخطوات متوافقة بينهما يكمل كل منهما الآخر.

الحراك السياسي في المنطقة على أشده وترتيبات بأشكال متعددة تجهز لمؤتمرات وندوات محلية وعالمية وانفتاح بلا حدود على العالم بدأت ترتسم ملامحه وتكبر وتتمدد طولاً وعرضاً حتى مست القيم ليحل محلها قيم غريبة رفضها جل الجمهور وما استحسنها إلا ضعافهم الذين بهرتهم قشورها اللامعة .

ما توقف (أحمد ) عن المضي نحو هدفه وبجانبه ( زهرة ) تشد من أزره وتعاضده وهو يشفق عليها من تعب الطريق الذي استشعر في نهايته بصيص نور يشده إليه.

- ( زهرة ) .. حان الوقت كي تعرفي بأنني أخطط للالتحاق بصفوف المقاومة في لبنان وأن هذا الأمر هو الذي حال بين زواجنا فلا أعرف متى سأعود..إن عدت ؟؟!! ولا أستطيع أن ترافقينني الآن، وأرجو أن تغفري لي أنني أؤجل هذا الأمر الآن.

- كتمت أنفاسها وحنقها وما نطقت ولكن عيونها رفضت حين انسابت دموعها حزناً وشفقة وخوفاً من المجهول الأكبر.. وباركت له هذه الخطوة .. مرغمة .!

( إذاً ) هذا هو الباب المشرع الذي عرفه ( أحمد ).. كم أحبك وأنا أراك تكبر في كل شيء .. قالتها في سرها .

كان القدر على موعد مع وصول ( أحمد ) إلى بيروت ليصول ويجول بين المقاومين يحمل عودة الحزين ورفيق دربه في الشتات ليشدو بألحان الثورة والصمود ويغرس في نفوس أشبال المخيمات حب الوطن والتضحية و انتشرت موسيقاه وألحانه وأصبح متواجداً في المحافل الموسيقية الكبرى، وما تردد أن يحيي أفراح المقاومين من الشباب طوال فترة تواجده متنقلاً بين المخيمات لا يفارقه شعور بأنه بين أهله يؤدي واجبه.

كانت ( سوراه ) تختلس اللحظات دون علم العفريت الشرير لتتواجد بالقرب من ( أحمد ) دون علمه أو أن تنكشف له وتأسرها الفرحة كلما رأت وسمعت حديث أهل المخيمات عن موسيقاه وأناشيده الثورية التي انتشرت في كل البلاد وودت لو تصرخ بأن هذا الفتى يستحق منكم أكثر منذ هذا التكريم، ولكنها لا حول لها ولا قوة فهي أسيرة لعفريت من الجن وقوانينهم لا رحمة فيها ولا يمكنها الظهور أمام( أحمد ) وإلا حرقها سور من نار أحاط بها أينما رحلت أو حلت، وأن العفريت الذي ملكها سينفذ وعده حين أمرها بعدم رؤية ( أحمد ) أو الاقتراب منه. لذلك اكتفت بتحين الفرص للحظات تشفي حرقة قلبها عليه والصبر على حالتها.

اتفاقية الصلح مع دولة الاحتلال تسير بشكل متعثر حيث بدأ العدو استخدام حيله وألاعيبه بالمقايضة على بعض الأراضي في شبه جزيرة سيناء ومنطقة " طابا " على وجه الخصوص وجولات مكوكية لوفود ووزراء يحملون الاقتراحات بالمقايضة بشكل مرير ولكن الإصرار حقق نتائجه المرجوة وعادت كامل الأرض إلى السيادة المصرية ، وهناك في لبنان فقد تصاعدت المقاومة وضرباتها التي أرهقت العدو بجانب مسار سياسي عالمي استقطب الكثير من مواقف دول العالم بعد أن أصبح للفلسطينيين ممثلا شرعياً واحداً فكان اجتياح بيروت بعد خمس سنوات و

(أحمد ) مازال صامداً ينشر موسيقاه في كل الأرجاء وسط المقاومة العنيفة والدمار الذي لحق ببيروت وتدمير البنى التحتية الفلسطينية من قصف للمخيمات الآهلة بالمدنيين حتى وصلت همجيتهم بتآمر مع قوى محلية والقيام بمذابح صبرا وشاتيلا .. وخروج المقاومة من لبنان إلى الشتات الأوسع .

خرج (أحمد ) من بيروت في غيبوبة كاملة يحمل جرحين أحدهما في قلبه وآخر في جسمه الضعيف خلفته شظية من قنبلة انشطارية أبقته غائباً عن الوعي شهوراً في إحدى مستشفيات تونس ولا أحد يعرف عنه شيئا ، بينما (زهرة ) حاولت مع كل من عرفتهم أن تتلمس عنه ما يريح قلبها دون فائدة ، ومرت الأيام وعاد الصمت إلى القلوب النازفة.

مع مرور الأيام أخذ (أحمد) يتعافى ويشفى من جرحه ،وذات ليلة وجد عوده بجانبه ففرح به وهو يتحسسه بيده الضعيفة وما طالت دهشته إذ وجد رسماً على صندوقه يعرف صاحبته!!

هل يمكن أن يكون أحد الرفاق قد أحضره..أو..ربما تكون ( سوراه ) هي التي أحضرت العود ؟

ولكن أين لي بها الآن ، وهل يمكن لها أن تكون قد تحررت من قيدها، وعهدها ؟؟

تبادرت الأسئلة إلى ذهنه وهو يتماسك رافضاً هذه الأفكار في هذه اللحظة على الأقل فـــ ( زهرة ) أولى بحبي فقد وقفت بجانبي على أمل أن يجمعنا بيتاً واحداً ، أما ( سوراه ) فستبقى ذكرى أحببتها وسأحملها في سري ولن أبوح بشيء عنها.!! هذا ما تبادر إلى عقله وذهنه .

بينما هو في ظلام الحجرة الهادئة بالمستشفى تجلت له فتاة في عمر الربيع كما تجلت له ( سوراه ) ذات ليلة مظلمة في القرية النائية فما أخافته لأن ابتسامتها كانت تسبق دهشته !!

- أنا ( شاهنزا ) ابنة ( سوراه ) فلا تخف وأرجوك أن تبقي الحجرة مظلمة فما زلت في سن صغيرة ويمكن للضوء أن يقتلني فأنا مثل أمي في كل شيء ولا أشبه أبي في أي شيء ، وقد حدثتني أمي عن كل ما كان بينكما ، وكيف كانت تسترق اللحظات في غياب أبي لتزورك في بيروت دون أن تراها ولما أصابتك الشظية حملك رفاقك بينما هي خبأت عـُودِك وقد أخبرتني ماذا يعني لك هذا العود كما أحبته هي أيضا لأنه كان السبب في لقائكما ، وبَقـِيتَ تعزف لها ألحانا أحبتها وما زالت ترددها حتى أنني أحفظ بعضاً منها.

عقدت لسانه المفاجأة ، وأخذ يردد بينه وبين نفسه المتعبة " هل بقي شيء في علم الغيب كي يستكمل القدر لعبته معي " ؟؟

وكيف لي ألا أكون ممتنا لهذه الجنية الصغيرة ( شاهنزا ) التي أرسلتها أمها في الوقت والزمن المناسب كي تسري عني همومي في وحدتي وغربتي الجديدة ؟

وهل سأبقى أسيراً لهؤلاء الجن الطيبين ؟

وما أعاده من هواجسه وتساؤلاته إلا أن تذكر بأنه في " تونس" وهي بلد مغربي أيضا ، وليس ببعيد عن مكان

( سوراه ).. وقد تأتي لزيارته ذات مرة في غفلة من ذاك العفريت الشرير الذي ملكها إلى الأبد .. هكذا تمنى في نفسه القلقة.

قبل أن تختفي الجنية الصغيرة ( شاهنزا ) أخبرته أنها ستتردد عليه من الحين إلى الآخر لتطمئن عليه وتخبر أمها عن حاله، ولكنه استوقفها قليلاً وأمسك بعوده الذي اشتاق إليه وأسمعها لحناً تعرفه أمها التي ضحت من أجله وتركت في نفسه فراغاً بعد أن شغلته عشر سنين منحته كل ما تمنى.

كان الزمن قد أكسب أحمد الخبرة والمعرفة وهو يتأمل وجه الجنية الصغيرة الحسناء بينما صوت عـُودهِ يسري بين حجرات المستشفى وقد بدأ توافد المرضى بهدوء إلى حجرته المظلمة كي لا يوقظوا الأطباء ، بينما ( أحمد) لا يرى إلا وجه الصغيرة الحسناء وطيف أمها ، بل خيل له أنه يرى ( سوراه ) بكل فتنتها وبهاء طلعتها... مع تصفيق كل المرضى الذين نسوا أوجاعهم و قبل أن تضاء أنوار الحجرة كانت الجنية الصغيرة قد اختفت .!!

***     ***     ***

بعد أن استرد ( أحمد )عافيته كتب رسالة إلى ( زهرة ) يخبرها بمكانه وشرح لها ما حصل معه طوال الأشهر الماضية التي انقطعت فيها أخباره ، فاطمئن قلبها وردت عليه برغبتها باللحاق به ولكن الأمر ليس سهلاً والموانع كثيرة .. وما عليها إلا الصبر والانتظار بقدر ما تستطيع وترددت في أن تخبره بأن والدها بدأ يضغط عليها بقبول عريس تقدم لخطبتها بحجة أن لا يفوتها قطار العمر خشية أن يفهم ( أحمد ) أنها تستعجله في اتخاذ خطوة إلى الأمام ويتقدم لخطبتها دون قناعة منه في هذا الوقت بالذات .

تملكتها الحيرة فلا هي قادرة على الصمود أمام ضغط والدها ، ولا هي تستطيع البوح بنداء قلبها الممزق وعليها أن تتخذ قرارها إما بالموافقة على العريس القادم أو مصارحة ( أحمد ) بالوضع الجديد، فأرسلت إليه تخبره بكل التفاصيل وهي ترجوه أن لا يقرر شيئاً بعيداً عن رغبته وظروفه فالفرصة لن تتكرر مرة أخرى وما عاد في العمر الكثير كي يضيع في انتظار حالة الاستقرار التي لا يعرف أحد متى ستأتي وكأنها تستحثه بحياءعلى أن يلبي نداء سنين الحب الذي مازال يفيض به قلبها.

رغم انتظارها طويلاً وحيرتها إلا أن رداً من ( أحمد ) لم يصلها ، فاستسلمت لإلحاح والدها بالزواج من العريس الذي ما عرفته من قبل وهي في حالة انتظار لخبر أو رسالة تبعث الأمل في روحها التي بدأت تفقد صبرها ، ولكن شيئاً من هذا ما حدث ، فتزوجته .

انشغال ( أحمد ) واتساع مسؤولياته الوطنية كونه فنان أصاب مكانة مميزة وأصبح لا يجد الوقت لحياته الخاصة كان السبب الذي جعله يقرر وضع نهاية للعلاقة بينه وبين ( زهرة ) حبه الأول والأخير وأن يضحي به حباً في

( زهرة ) وشفقة عليها، فهو يخشي عليها من قابل الأيام وما تخفيه فما رغب أن يبقيها معلقة أكثر من هذا رغم قناعته بأنها انتظرته سنين طويلة على أمل أن تربطهما حياة أسرية وقد ضاعف آلامه أن اتخذ مثل هذا القرار  لذلك تعمد عدم الرد على رسالتها كي يصيبها الإحباط واليأس فهو لا يقوى على اتخاذ الخطوة التي تمناها هو من قبلها والارتباط بها فالقضية تمر بمنعطف كبير وهو جزء فاعل فيها يخشى كغيره أن تنقلب كل الحسابات والتوقعات بعكس ما يشتهي فهناك الكثير من التلميحات والتصريحات لحلول تجري في الخفاء ينكرها البعض ويؤكدها الآخرون ووفود تتنقل بين العواصم يصدر عنها تصريحات غامضة وتهب رياح قوية من كل الجهات ذات العلاقة وهم بكثرة دول العالم ، فقد اتسعت الدائرة ليصبح للشرق كلمة وللغرب كلمة معاكسة في قضية واضحة للعيان  وزاد على ذلك تلك الفرقة بين البلاد العربية التي كان أساسها تلك الزيارة التي قام بها رئيس أكبر دولة عربية إلى القدس التي وصفها الكثيرون "بالمشئومة " والتي جـَــرَّت البلاد إلى حالة من اللاسلم واللاحرب وتقاذفت القضية الرئيسية الرياح وتم تمويهها بخطط ومؤتمرات بشائرها توالت يوماً بعد يوم .

كل هذا جعل ( أحمد ) الذي سمح له موقعه أن يستمع إلى تفاصيل دقيقة عما يجري في العلن ولا يعرف الكثير عما ما يجري في الخفاء فأصابه الإحباط أحياناً أكثر ، لذلك كان قراره بعدم الرد على ( زهرة ).. والتزم الصمت.

ومع مرور الأيام غابت الصور الجميلة رويداً رويداً عن خاطرها وأصبحت باهتة فقد أخذتها دوامة الحياة الأسرية الجديدة وتبدلت عليها السنون ، ولكن حبها ما خمدت ناره وبقي الحنين يسكن قلبها وهي تتذكر تفاصيل سنين العمر الخضراء كلما خلت إلى نفسها ترتجي راحة أو فسحة من نمطية الحياة الأسرية وما خطر على بالها يوماً أن تعزف لحناً أو تردد أغنية من تلك التي كانت تحفظها عن ظهر قلب وخاصة التي كانت تستمع إليها من عزف ( أحمد ) على عـُودهِ، حتى كادت أن تنسى أنها عازفة ماهرة أيضا بحكم دراستها للموسيقى أو لربما رأت عوضاً عن نفسها في شخص حبيب العمر الذي أخذ معه أجمل لحن عزفته الأيام في عمرها.

هكذا كانت تأتيها الهواجس ودمع عينيها يجري حسرة وألماً على حب غاب في ظلمة الأحداث التي كبرت وتوالت حتى أنها فقدت صبرها وأصابها الملل من انتظار حدث كبير يغير من صورة الحياة التي بدأت تخرج عن كل المتعارف عليها وتحولت إلى صور غريبة ذات مواصفات غير مقبولة إلا عند أولئك الذين تغنوا بالمصالحة وظنوا أن في عالم الانفتاح وتباشيره حلاً لكل مشكلات المجتمع وأزماته التي تراكمت رغم أن صور الجشع والفساد برموز جديدة وأشكال جديدة أخذت في الاتساع وهي تتجمل بمساحيق شاذة ومنفرة ما ألفها إلا من هم على شاكلتها.

بينما ( شاهنزا ) الجنية الجميلة اليافعة كانت تراقب تحركات ( أحمد ) لأيام طويلة دون الظهور له وتنقلها لأمها (سوراه ) وقد أخذتها الشفقة عليه من تصرفاته وأيقنت أن عدم الرد منه ما كان عن قناعة ولكنه اضطر إليه حباً في ( زهرة ) فأيقنت مرة أخرى بأنه شخص يستحق حب أمها وتضحيتها من أجله ، وأن عالم الجن لا يعرف مثل هذا النوع من الحب كما أن والدها الجني الشرير قد استعبد أمها ( سوراه ) التي تطيعه بلا نقاش وتمنحه جسدها دون حب كهذا الذي رأته من سلوكيات ( أحمد ) فتمنت لو أنها تجد إنسيا مثله وتكرر ما أقدمت أمها عليه وهي تـُمني نفسها بأنها ستكون صورة أكثر جمالا وبهاءً من أمها التي علمتها الكثير عن سلوكيات البشر و طرائق معيشتهم وسمحت لها دون علم والدها الجني الشرير بمراقبة ( أحمد )... فأحبته !!

أخذت ( شاهنزا ) تتعامل مع هذا الشعور بصورة أكثر من التعاطف وشعرت به يتوزع على جميع حواسها ويطوقها ليل نهار دون أن تدرك كنهه ولكنها تميل إلى البقاء حول ( أحمد ) صاحب العود بحجة أن أمها هي التي تريد ذلك كي تطمئن على حاله ، ولكن الجنية الصغيرة أصبحت في حالة حب حقيقي ربما تعويضاً عن حب أبوي ما عرفته من أبيها العفريت الشرير الذي أخذته نزواته وقدراته على البطش بعيداً ونسي أن له ابنة من ( سوراه ) الجنية العاشقة لإنسي حفظته بين ضلوعها سنين طويلة.. كل هذه الخواطر مرت بفكر الجنية الصغيرة التي أخذت تخطط لمرحلة جديدة كي تقترب أكثر من صاحب العود وتصبح الجنية العاشقة الوحيدة و تأكدت أن أمها لن تعيد الكرة معه بحكم وضعها الذي تحكمه قوانين الجن في مثل حالتها بعد أن باعت نفسها من أجله .!!

أرادت ( سوراه ) أن تعرف أخبار (أحمد) فبحثت عن ابنتها ( شاهنزا ) فما وجدتها فاستشاطت غضبا وداهمها وسواس ما أبقى في رأسها عقلاً فزمجرت وتوعدت وهي حبيسة قفص النار الذي لا تجرؤ على الخروج منه وإلا احترقت وتحولت إلى رماد..

ورغم قدرتها على الوصول إليها وهي محاطة بهذا القفص اللعين إلا أن كبريائها وخجلها كانا يمنعانها من الاقدام على مثل هذا العمل ،كما أنها لا تعرف مكان ابنتها ولكن الشكوك هي التي تأخذها إلى حيث لا تتمنى وما هدأت ثورتها حتى إنتصف الليل وأقبلت ( شاهنزا ) وما درت أن أمها في انتظارها كي تلقنها درساً ما خطر لها على بال فقد انهالت عليها ضرباً بقسوة شديدة ما عرفتها منها من قبل فهي حنونة معها وما أخفت عنها شيئاً من تفاصيل عشقها لصاحب العود ( أحمد ) بينما ( سوراه ) تصرخ و تبكي و تتفوه بكلمات ما عرفت منها ( شاهنزا ) شيئاً  ولكنها فطنت إلى أنها من كلمات الإنس فاحتضنت أمها وقبلتها و وعدتها ألا تزور ( أحمد ) صاحب العود إلا بأمر منها فقد تعلمت الجنية الصغيرة أول درس في حب الإنس وفهمت أن هذا النوع من الحب لا تعرفه الجن حتى الطيبين منهم إلا القليل من أمثال أمها.

في هذا الغياب كانت ( شاهنزا ) قد أطلقت العنان لمشاعرها التي كبرت وتحولت إلى حب مع صاحب العود الذي كان نائماً في حجرته و ما شعر أن هناك من ينام بجواره على السرير حتى سمع صوت عوده فخـُـيل إليه أنه يحلم فراح في نومه قليلاً ثم قفز مفزوعاً حين تذكر ( سوراه ) التي اعتادت على العزف له وهو نائم حين كان هناك في القرية النائية ، ولكن المفاجأة التي أخذته هي أن هذا العزف بأصابع ( شاهنزا ) التي استلقت بجواره وكشفت عن جسدها الغض الأملس و قد شعت منها حرارة و وهجاً برونزياً فتعالت في جسده أصوات الرغبة و فاضت منه الشهوة و حركت فيه حساً ظن أنه كان قد مات مع الأيام في دهاليز العمل والمسؤوليات التي تزايدت يوماً بعد يوم ففشلت منه كل محاولاته في صب رغبته الجامحة في جسدها الغض، واستسلم لانكساره وهو يواري ضعفه ، فأخذ يعنفها ويلومها على هذه الجرأة التي حطمت ما تبقى من رجولته ... لذلك حين عادت إلى أمها التي كانت في حالة يرثى لها من الغيرة والشك تقبلت منها قسوتها وأخذت تلوم نفسها بأنها قد تجاوزت حدودها مع إنسي له مكانة خاصة عند أمها .

محاولة ( شاهنزا ) اللعب على أوتار غرائز ( أحمد ) وعواطفه جعلته يعيد النظر في حاله و واقعه المؤلم فأصابته حسرة ومرارة تركت في نفسه شرخا و أدرك أن الزمن مضي به دون أن يكون له أسرة أو زوجة فقد تزوجت للمرة الثانية ( زهرة ) وسط إنشغالاته الكثيرة بينما كان يؤجل هذا الأمر إلى حين تستقر به الحياة و يشعر بالآمان .

كل هذه الأفكار تقاذفته فتقبلها برهة ثم ما لبث أن أنكرها وهو يعيد على نفسه أنني صاحب رسالة وما يجب أن يشغلني شيء عنها، ثم يتوقف قليلا و هو يردد في نفسه أن الشعب كله يعيش حياة التشرد و أن الكثير من زملائي قد أصبحت لهم أ ُســَر وأولاد ولهم أيضا نفس الظروف فلا يجد في نفسه صدى لهذا بل يصر أن عليه رسالة ويجب أن يوصلها في وقتها وبالطريقة التي تتناسب مع كل مرحلة.

فالوضع بالنسبة لي ليس أمرا عاديا.. قالها في نفسه وهو مازال يصارع أفكاره التي تقاذفته فيعود إلى حالة اليأس التي سببتها فعلة تلك الجنية الصغيرة ..المراهقة بعد أن إستخفت بما تبقي في نفسه من وقار وإحترام بعد هذا المشوار المرير الذي فعل فيه و حقق الكثير.

لكن ( أحمد ) بقوته وإصراره سرعان ما خرج من حالته هذه التي أخذت تتكررعلى فترات وسببت له قلقا و ما شغلته عن أداء واجبه أبدا وهو يتابع ما بدأ يتسرب من أخبار ومعلومات حول مباحثات هنا وهناك تجري في سرية للوصول إلى حل يقبله الفلسطينيون فيسعد أحيانا وما يلبث أن تتلبسه حالة إحباط حين لا يجد ما يصبو إليه من تباشير العودة .

فيعود ليسأل نفسه ويسأل الأصدقاء من حوله عن حقيقة ما يجري؟

وهل هذه المباحثات ستحقق شيئا مما نأمل ونحن نعرف عدونا بمراوغته وقدرته على التظاهر أمام العالم بأن الطرف المظلوم وصاحب الحق في أرض منحتها له وعود الغرب التي لا تغيب تفاصيلها عن الجميع ، ولكنهم ينكرون هذا الحق حين نطالب به نحن أصحابه الشرعيين.

ضاقت نفسه بهذه الأفكار التي زادت من ضغطها وشتتت عقله ، وما ينقذه من وسواسها إلا أن يشغلها بتأليف قطعة موسيقية جديدة .!

نظر إلى عودة الذي صاحبه في مشواره الطويل وتأمله بعشق وكأنه يراه للمرة الأولى أو كأنه يودعه.. فحضنه وقبله وضمه إلى صدره بقوة فسرت في جسمه الضعيف قشعريرة غريبة وتخيل أنه يضم ( سوراه ) التي مازالت نقوشها على صندوق عوده فمشى بسبابته عليها وكأنه يقرأ نقشا على حجر فرعوني فأخذ يتأمله بطريقة غريبة حتى خيل إليه أنه سمع صوتها تناديه من سجنها وهي تقفز من فوق سور النارالذي يطوقها فيذرها رمادا تطاير مع الريح، وتخيلها تقاوم ذلك العفريت الشرير الذي باعته نفسها من أجل أن تحقق له حلما بزيارة أمه فاعتصر قلبه ألما اشتدت حدته وتتابعت بشدة ضرباته وسرت في ذراعيه برودة شديدة بينما تصبب منه عرقا غزيرا و شعر بدوار أسقطه على أرض حجرته وحيدا وهو يضم عوده إلى صدره و يده تتحسس أثراً تركته ( سوراه ) .. الجنية العاشقة.!!

----------------------------------------------------------------

( تمت في مدينة لندن / أونتاريو بكندا )

7 آذار / مارس 2010     

       تم التعديل الأخير يوم الأحد 20 نوفمبر 2011