"" المُنتَــج الفـَـني ""
بقلم / عبد الهادي شلا
يطيب لي في هذه المقالة أن أستخدم صفة ( مُنتِج ) بدلا من ( مُبدِع ) و التي أطلقها صديقي الشاعر أيمن اللبدي في مقابلة له نشرت منذ فترة قصيرة..وقد أعجبني الوصف لما فيه من تطابق أقرب إلى طبيعة البشر..وهذا سيسمح لنا القول أن (المُبدِع) هو من يضيف جمالا أو قبحا لمُنتَجهِ يكون فيه اختلاف لما مألوف، و جعل المُنتَجِ مجال بحث، بين أيدي النقاد.
وكذلك عَمَّقَ الرؤية فيه لتصل إلى ما وراء المنظور منه والغوص في بحر عالمه الخفي .
وعليه يمكننا أن نطلق على المُبدِع صفة جديدة ( المُنتِج ) وبهذا نحقق الصلة بين المُنتِج والمُنتَج، فيستقيم كامل المعنى.
يظن بعض المتلقين من غير المُنتِجين من الفنانين البصريين أن وراء كل لوحة فنية قصة بعينها تكون السبب في صنعها ،ولكن الحقيقة أن جزءا أو بعضا منه صحيح..إذا كان المُنتِج ( وهو الفنان كما اتفقنا) صاحب أسلوب فني واقعي أو تأثيري أو تعبيري على سبيل المثال..أي من تلك المدارس الفنية التي يكون الموضوع سابقا على وضع التصور البصري كأن يتأثر بموضوع ما فيختار إسما ينطلق منه لصنع لوحة تتآلف معه وتأخذ المتلقي إلى أقرب المعاني وتيسر له سبل التعرف على موضوع المُنتَج الفني، وقد ظلت هذه الأساليب الفنية ومازالت قريبة من ذهن المتلقي التقليدي الذي يقف أمام اللوحة يتابع ( ببصره ) اكتشافه لمعانيها السهلة في وجود إسم يساعده على ذلك،ليبدأ مقارنة إسم اللوحة مع محتوياتها و تفاصيل عناصرها الفنية والأدبية، فيميل لها ويتنافر معها حسب توافق فهمه مع ما يبصر !!
ولكي يكون المتلقي قريبا جدا من فهم ( القصة ) التي تأخذه لقراءة هذا المُنتًج الفني فإنه بحاجة إلى معرفة قصد الفنان(المُنتِج ) من كل محتويات لوحته التي يبدأ الحوار معها بأسئلة سهلة سرعان ما يجد المتلقي لها جوابا إذ أن هذه المدارس الفنية تتعامل مع رموز و ألوان لها دلالات ومعاني شبه متفق عليها تضفي إثارة وانحيازا لموضوع اللوحة والتي من خلالها يحقق المتلقي طموحة حين يفهمها.
لذلك فإن هذه المدارس الفنية التي تتعامل مباشرة مع العين بسهولة رموزها،هي التي تأخذ بيد المتلقي في مراحله الأولى ليطور رؤيته البصرية ويصبح مستعدا لفهم غيرها من المدارس الفنية الأكثر ابتعادا عن المباشرة..كالمدرسة السريالية و التكعيبية والوحشية أو الدادية..وغيرها من مدارس فنية ظهرت في بداية القرن العشرين المنصرم، كان لها دور كبير في إضفاء صفة فنية للعصر وفتحت الباب أمام الفنان كي يمنح مُنتَجهُ روحا جديدة غير خاضعة لقوالب تقليدية تقيد حريته وتلزمه بنمطية التعبير متخلصا من أسر موضوعات معينة تحاكي قصصا بعيدة عن روح العصر في فكرتها و طرحها.
وإذا أضفنا إلى مميزات النهوض بالعملية البصرية ما يمكن إعتباره تجديدا للأساليب الفنية فإننا سنجد أنفسنا غير بعيدين عن القول أيضا بأن هذه المدارس واكبت نهوضا شاملا في كل مجالات الحياة إستلزم استحداث أدوات جديدة تتوافق معها وتلائمها كإكتشاف أنواع جديدة من الألوان كألوان الأكليرك (Acrylic) وكذلك أنواع متطورة من قماش الرسم ( Canvas ) والورق والأصباغ وغيرها.. وكلها سهلت على الفنان عملية تنفيذ أفكاره العصرية لسرعة جفافها ونوعيتها الجيدة والمُعالِجة لتبقى حافظة للمُنتَج أطول مدة ممكنة،بالاضافة إلى بعض المنتجات الصناعية التي أخذت مكانة لها في المُنتَج الفني،ولنا أن نتأمل الكثير من بقايا الأشياء المعدمة وقد تحولت بإبداعات الفنانين إلى إعمال تصدرت قاعات كبرى المتاحف العالمية و تعامل معها بجدية جيل آخرمنهم أعادوا تقديمها على شكل مُنتَج فني رفيع المستوى.
كما أن العقائد الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شغلت المُنتِجين في كل هذه المجالات قد وجدت لتهيء لها جو تصاعدت وتيرته في النصف الأول من القرن العشرين و كان لها أثر في مسيرة الإنتاج بشكل عام وبكل صوره بداية من الفن البصري (التشكيلي) إلى المسرح والسينما والقصة والشعر وحتى الرقص...وغيرها، و نجد أن الكثير من المُنتِجين كان لهم رؤى تتوافق معها ومارسوا إنتاجهم من خلال ضوابطها فتجلت من هذه المعتقدات والأيدولوجيات أعمال فنية كثيرة ومدارس من الفن الحديث التي جئنا على ذكر بعضها.
ولا يكتمل الحديث عن المُنتَج الفني دون سؤال يوجه للفنان التشكيلي، عن أيهما أكثر صعوبة في مواجهته،هل هو التهيء والاستعداد والتحدي أمام القماش الأبيض ليستقبل الفكرة والمشاعر التي تتصارع لتفلت بعد أن نضجت بين جوانح الفنان؟
أم ..أن الموقف أكثر تحد وصعوبة حين يصل إلى الذروة ويصل إلى مفترق يحتاج قرارا،بأن اللوحة قد إكتملت؟
المؤكد..أن الإجابة لن تكون إلا إحدى هذين الموقفين عند كل الفنانين التشكيليين، ولكن باختلاف معاناة كل منهم عن الآخر لأسباب كثيرة من الصعب المرور عليها سريعا، فكل فنان هو ( حالة خاصة به )، وهو( حالة خاصة بين أقرانه من الفنانين ).
لذلك فإن الذي يعاني وجع المخاض وهو يشعر باقتراب ولادة اللوحة ينتشي فرحا وزهوا كعاشق ولهان ينتظر قدوم الحبيب ، ذلك وقت تَحَيَّن اللحظة التي تمتد فيها يده بالفرشاة واللون لوضع اللمسة الأولى على القماش الأبيض ( Canvas ) ليبدأ منها ولادة عمل فني جديد.
بينما،هو نفسه يكون أكثر ضيقا وحيرة، و " وفاءا للوحة " لقرب لحظة الانفصال عنها، حين يجوب بنظره في كل جزيئاتها،مرات ومرات وهو يضيف هنا ويحذف من هناك، ويوازن بين عناصرها باللون والخط والظل والنور، والملمس ومما تحتاجه لتتجلى له كعروس قد اكتملت زينتها وهي تزف إلى عريسها.. المتلقي!
وقد يتحدث الفنان عن عمله الفني (المُنتَج) بعد الانتهاء منه وقبل عرضه على الجمهور،ولكنه
( يقينا ) لن يتمكن من شرح كل جزيئاته شرحا وافيا وكاملا،إذ سيبقى جزء منها خفي لسبب قد لا يصعب تقديره وهو أن الفنان أثناء عملية اسقاط الفكرة وما يليها من خطوط وألوان على المساحة البيضاء (Canvas ) يكون في عالم خاص جدا ، لا يمكن لأحد أن يخترقه أو يؤثر فيه،حتى الفنان نفسه يكون في موقع أو حالة مخاض " إن جاز التعبير " خارجة عن إرادته، لاهثا وراء أحاسيسه التي تتدفق كالنهر ولا يقوى على السيطرة عليها في لحظة ما، وهو لهاث إيجابي وضروري لحالته التي هو عليها بكل ما تحوى من فوضى وتصارع لمشاعره العالية المتدفقة وهي تتحول إلى محسوس مرئي على قماش اللوحة (Canvas )،إلا أنه يكون قادرا على ضبط إيقاعها حين يخرج من هذه الحالة (الحسية) إلى الحالة الأخرى والتي هي حالة ( عقلانية ) وذلك بتأمل ما نزف على المساحة البيضاء والتي يمكننا أن نطلق عليها حالة التفاعل مع الفكرة التي سيطرت وحازت على حواسه لفترة قد تكون طويلة أو قصيرة قبل اللحظة التي بدأ فيها إسقاطاته على القماش الأبيض (Canvas )،وحينها يكون مهيئا لإعادة حسابات وتوازنات المُنتَج الفني وضبطه وفق أسلوبه ومدرسته الفنية ، وهذه الأخيرة هي التي ستفتح للمتلقي بابا يلج منه للتعرف على ماهية العمل الفني المُنتَج.
لربما بفهم هذه الحالات التي تسبق ميلاد اللوحة يكون بمقدور المتلقى ( وهو حالة بين المتلقين لها خصوصياتها وقدراتها ) البحث عن طريقة تُمَكِّنه من قراءة العمل البصري (المُنتَج أي اللوحة) بطريقة أبسط وأقرب إلى مستوى تحصيله الفني،ولا نقول أننا بهذا الطرح سنكون قادرين على جعل المتلقي العادي قادرا على قراءة كل محتويات المُنتَج الفني بيسر وسهولة تامة ، وإنما لو تمكنا من الأخذ بيده درجة ..درجة،و صعدنا به هذه العملية لتهجئة المُنتَج البصري رويدا ..رويدا،فإننا سنأخذه إلى مساحة يكون فيها حرا طليقا بكل ما اكتسب من تحصيل فني وخبرة كي يحلق في فكر المُنتِج ، و بمضاعفة المتابعة الجادة أن يقترب كثيرا من المساحات الغامضة التي كان يخشاها، فنكون قد وصلنا معه إلى أقرب نقطة من المُنتَج تعينه على استخدام مكتسباته التي حصلها من المتابعة وربطها ببعضها مما يساعده على تفسير بعض الرموز والدلالات الفنية في الترعف على خصائص الأسلوب الفني وفكرالمُنتِج.
و نؤكد أن هذه ليس إلا بداية تحتاج من الاستمرارية ما يضمن للمتلقي التجول في مساحات متعددة ومتنوعة في عالم الفن البصري وغيره ، ودائما سيبقى هناك جزء هام وضروري غائب وخفي بين ثنايا المُنتَج يحفظ له سره وخصوصيته وهو جزء يحتاجه المُنتِج (الفنان) ويسعى إليه قبل غيره كي يستمر في إنتاجه.!!
7 يونيو 2008